جنين يتحرق خجلا

PDFطباعةإرسال إلى صديق

يتحرق وهو قابع:  ظلمات ثلاث، أغشية مركبة ومتفاقمة في الهيجان، أجنة لا تفقه مما يحاك شيئا، أجنة لا تعرف مما يحصل أمرا ، تحوم في مكانها مندهشة، تعوم في سوائل الحاضر بين الموج البري والزبد البحري والدوامات الهوائية، أيكون أنها ياليتها في القرار المكين آمنة وهي تحيط بها تلك الظلمات الثلاث، الأولى: الجهل بحقيقة النفس وببواطن المحيط وما يترتب عليها من معرفة المخططات الآنية والقادمة والعمل لصدها، والثانية: العتمة السياسية وما يتبعها من الحجر على الأنفاس، والثالثة: الكسل والتواكل وما تخفيه الصدور من الجبن والتنويم المغناطيسي العالمي قسطا والبوشيّ أقساطا.
المهرجان:  ثم يأتي شعار المهرجان التسويقي الاستعراضي: (عالم واحد – عائلة واحدة). شعار معبر عظيم ومعناه أعظم وتجلياته أكثر وأفضل من أن تحصى، وليس لإنسان يتحلى بذرّة من إنسانية إلا أن يتغنى بهذا الشعار أمام نفسه ويتراقص من الفرح على المصير الجديد لهذه العائلة، ولكن الواقع يكذب المعالم المحلية والعالمية ويفند مقولات البشر عن الأمن والسلام والأمان في الرزق والأرواح والتنفس وحتى في التبعية. فدعنا نحلم فقط!
مرايا الصمت:  وهذا هو صمت المرايا، أو المرايا التي صمتت فلا انعكاس لها وفيها على نفوس الكتلة البشرية جملة وتفصيلا، تذهب خلفها لتنظر إلى انعكاسات الواقع المجنون في نفوس البشر فيروعك خلوها من الحياة أو من الجماد، فراغ قاتل، ياللعجب، سموم من لهب، أم شرارات من حمم، والانعكاس هذا خاصية فيزيائية لا تنقطع عن التطبيق ولا تنحني لأجل أحد من البشر، فلا بد من انعكاس أما هنا فلا انعكاس ولا شيء خلفها، وتلك الشرارات لاتُرى ولا ترتعي إلا عندما تنظر إليها وإذا لم تنظر إليها فلا تعيش أو تنطلق فيروعك الفراغ وهوله، وأراك أخبرت صديقك البروفيسور في علم الفيزياء فجاء ورأى وفكر ثم حمل أمتعته ورحل إلى أن حط على المريخ في طريقه إلى البعيد البعيد، يريد اكتشاف خصائص الانعكاس في الفضاء ليرى أنها مستوردة من الارض أم أنها تعيش بخاصيتها الخاصة في مالها من أوطان.
ما أعذب الحرية لو... :   على الأرض وباسم التحضر والمدنية تباع الأفكار وتصدر الأفكار والسلوكيات والنهج والتوقعات والتطلعات، وتشع كلمة الحرية في كل مكان وفضاء تنطلق مع ذبذبات الهواء، ولكنها تشع ماذا ! وتضيء كلمة الحرية كل القلوب بما هو عكس الانعكاس فتظلم الطرقات وتتوقد شعلة الانتقام، ومن كثرة ما سمعنا كلمة الحرية مؤخرا على لسان الساسة العالميين أزحنا الستار عن الكلمة ومعانيها المختلفة لنرميها خارج المسرح وخلنا أن العالم يتهدم وأن المخلص الوحيد له من كوارث الإنسان وحتى من كوارث الطبيعة أن تكون حرا في انتخاب من يمثلك في دولة أو حكومة، ولا ننقص من أهمية الانتخابات ولا نجاهر بالعداء لموضوع الديمقراطية ولكن ما يكون هو انتقاء مصلحي وانتقاص لسيادة شعوب لحملها على الحرية وأي حرية، والحرية في معناها القاموسي الويبستري هي التحرر من قيود وقوة الآخر أو هي غياب المثبطات والمحجمات في السلوك أو الاختيار، وهل الحر هنا من أطلق لنفسه هواها واسترسل في نزعاته الفطرية البدائية والمكتسبة على نحو أوسع من أن يتم السيطرة عليه وعلى نتائجه على المدى الاجتماعي الكبير! وهي تلك كلمات في الحرية، فما أعذب الكلام وما أحلى وقعه على النفس، وما أجمل صداه في القلب والعقل، أمنيات تسبح على موجات الأثير تدغدغ المستقبل، النفس وما تهوى، وإذا اتبع الإنسان هوى نفسه فهو حر من كل قيد فهو حر في اختياره وتصرفاته ولا يخلو الأمر من ظروف ومعوقات طبيعية واجتماعية وغيرها، وإذا كبل نفسه ومنعها من الأهواء فهو حر من قيد نفسه وهواها، فالحرية أمر نسبي ولفظ يطلق على مجمل القول فيما نريد أن نشير إليه ولكن التفاصيل تأتي بالخبر اليقين فما هو الهدف من هذا اللفظ في حين معين؟!
من أجل من: لا أحد يضحي من أجلك بل من أجل مصلحته وإن تلاقت المصالح فهذا قد يكون فيه خير ويبقى التعويل على الأسلوب مهماً في تحقيقها، أما إن تعارضت المصالح وتصادمت فالشرارة قد تكون محرقة. ويريدونك حرا في أن تنتقي ممثليك في الحكومة وهذا هو الأمل الأول والأخير حتى يأتيك طوفان مغرق، ولكنك لست حرا في معارضتك لاحتلال أو اعتراضك على إملاءات مقيِّدة  وتبعية صارخة. من هم! الوحي المرسل إلى البشر من القلوب والعقول! هل يجب أن نحب ونتنفس بالطريقة الصهيونية أو الرأسمالية ونعمل مخططات للفرح والحزن والعواطف بالتبعية والاستدلال بالأقوى، ونسمع كثيرا هذه الأيام أن أعداء اسرائيل هم أعداء الحرية وهم الجاهلون المتخلفون الذين لا يريدون اللحاق بركب الموجة العالمية الجديدة من أجل الإزدهار والاستقرار. شتان بين حرية مأفونة مزيفة وحرية تنبع من النفس لتحرر الذات.
فرقان: الحرية السياسية والحرية السلوكية شيئان مختلفان عن بعضهما في أوجه عديدة وقد يقترنان، من يقرن ويلازم الحرية السياسية بالحرية السلوكية والاجتماعية على نحو انفلاتي بالضرورة يكون مجانبا للصواب، أولا هل لا بد أن تقترن الحرية السلوكية مع الحرية السياسية أي الديمقراطية حسب المفهوم الغربي، لا ، ليس من الضروري وليس محبذا أن يفتح الباب على مصراعيه لينعق فيه كل ناعق وتنفلت صمامات الأمان كلها بسرعة هدامة. ثانيا، الحرية السياسية تبني معها حرية فكرية وتلك تفضي إلى تغييرات اجتماعية وسلوكية لا رقيب لها وعلى المجتمع التصدي لها وغربلتها من سموم قد تتفشى ولا عودة منها. الأمر حساس جدا وبالأخص في عصر تفتحت فيه قنوات الاتصال وتنوعت فيه سبل المعرفة السياسية والسلوكية على حد سواء.  
خفايا النوايا: إخلاص النية وصلاح النية لا يجتمعان إلا في الربى الخضراء فتأتي أكلها، فصلاحها هو الأساس أما إخلاصها فهو تابع ومكمل لها، ولا يكفي الإخلاص وحده على الإطلاق، عندها يصعب التفريق وتختلط الدروب والأهداف، فما كل من عمل بفالح في دنياه وآخرته، ما كل من أخلص النية لأمره بقاصد نحو الصحيح، الشيطان مخلص لقضيته في عمله، هتلر كان مخلصا لهدفه، وهناك الخير وهناك الشر فلماذا تنطمس الأمور وتلتبس القضايا مع بعضها أحيانا فيحل الانبهار بالزخرف من القول والنتائج محل العقل والصحيح والأهداف السامية في المنهج والتفكير والأسلوب، يظهرون أنهم ديمقراطيون وأن الديمقراطية هي الهدف الأسمى في العيش الرغيد وسلامة البشرية من الفساد والاستعمار والتسلط في هذا العالم، كيف ننسى التاريخ ولا نعول عليه في فهم الحياة، فلا مناص من التباين ولا طريق إلى الالتحام في عولمة أخلاقية. وتبقى نظرية تبعية التغيرات الإجتماعية للتغيرات الإقتصادية وأسلوب العمل والإنتاج محل جدل واستطراد ودراسة عند علماء الإجتماع، فلا بد من التغيير والانفتاح ولكن لكل مجتمع خصوصية قد لا تنطبق بحذافيرها على مجتمع آخر وعلى الدارسين في هذا المجال توخي الحذر من تطبيق النظريات الإنسانية العامة في كل مكان كما في كل مكان آخر من الثقافات و العوالم.
ويبقى أمر: نظرية المؤامرة، قد لا يكون هناك مهرب منها بطريقة أو بأخرى وصدام الحضارات إن كان يعني الحرب المفتوحة والجيوش المجيشة فقط فهو ليس بهذا ولكنه يتأتى من الاختلاف الذي يجب أن يبقيه فوق قاعدة الإنسانية ولا يسقط بالتقادم أو بالتخاذل أمام التيارات الجديدة التي تأكل ثقافات البشر المغايرين. لماذا نحن مستهدفون ولماذا لا يتم استهداف مجتمعات أخرى مغايرة في أسيا أو أفريقية أو أمريكا الجنوبية، إنها المصالح الاقتصادية ورديفها المصالح العقائدية التي لا يستهان بها كما يفعل بعض المفكرين من استسهال الأمر حين يضعون اعتبارات الإنسانية لوحدها فوق كل اعتبار متناسين النزعات البشرية التي وضعها الله في نفوس وطبيعة البشر، أما إنهم لا يعترفون بمخلوقية الأرض والبشر فهذا لا يعنينا بشيء.  
قوموا: إذا كنا في فهم للحرية كما نريد وكما نعلم فلا نتحرق خجلا أبدا، ولا نكون ماكثين أو مائعين كتلك الأجنة في الظلمات الثلاث، ولا ننسى أننا مسلمون أولا وأخيرا.

_________
ريان الشققي