تطبيع حتى الركب

PDFطباعةإرسال إلى صديق

إيتان عروسي المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي يقول بطلاقة وثقة نحن نحمي مواطنينا من الإرهابيين، يقولها باللغة العربية على قناة عربية واسعة النطاق والانتشار، ثم مسؤول آخر من الكيان الصهيوني يقول نحن نسعى لحماية مواطنينا من الإرهابيين وبطشهم ونحن نتصرف بشكل معتدل ومدروس من دون ردات فعل عنيفة. وقد تم هذان اللقاءان في مجال عشر دقائق في النشرة الإخبارية المسائية، ثم كان لقاء مقتضب مع أحد الشخصيات من حماس. ثم تسأل لماذا تحتل مثل هذه التصريحات للمسؤولين الصهاينة الصدارة في الطرح فيقال لك هل أنت أقوى من الظروف الدولية أو أنك تستطيع الوقوف ضد التيار الأممي والتفاهمات العالمية. ومتى كانت الظروف الدولية حامية أو راعية لحقوق البشر بما يضمن هذا وذاك! ومتى كانت الاتفاقيات والتفاهمات الأممية إلا مصالح لجهات فوق جهات أخرى! ومتى كانت إلا لعبة شد الحبل، فالظروف الدولية تخلق مناخا عاما أما الخاص فيتم خلقه من قبل من يعتنون به ويوجهونه قدر المستطاع لمصلحتهم، والتراخي في طلب الحقوق أو الاعتراف باضمحلالها موات مؤكد. لذا دعونا نقول صباح مساء أعطونا حقوقنا  فنحن شعب مسالم وأمة لا تريد إلا السلام لا غير أبدا كخيار استراتيجي ونفسي وطوعي، ألا ترون نحن لا نملك أسلحة ولا نملك حتى نفسا مقاوما أو روحا وثابة، لا شيء سوى نفوس واهية ترابية محبة للأمن والطمأنينة تذهب للعمل أجراء عندكم من أجل ازدهار الدولة العبرية واستتباب أمنها والتأكيد على تفوقها على الشعوب المجاورة فهي أحق بالقيادة كما أثبتت دوليا، لذا نعمل حارسا مقابل أجور زهيدة أو بالأحرى مقابل كيان مغلق بما يسمونه دولة منزوعة الإرادة ومنزوعة السلاح ومنزوعة التحكم بمصائرها ومواردها ومصائر الملايين المهجرين، وهذا الكيان يقوم على الاستجداء والمساعدات والصدقات والتوسلات. وهذا شارون في زيارة خاصة إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهو ينادي أمام لجنة العلاقات الأمريكية الاسرائيلية الإيباك ها أنا قد جئتكم من مدينة القدس عاصمة دولة إسرائيل الأبدية وما بعد الأبدية، عاصمة غير مقسمة ولا مجزأة، فهذا الحلم الاسرائيلي في مجالات البحث وإطارات التطبيق يتطاير فوق جنبات الدنيا وفوق رؤوس البشر حول الكرة الأرضية، يزحفون نحو حلمهم بتخطيط ودهاء ومكر وموافقة ضمنية من أصحاب القرار في المجلس الأممي اليوم، وهكذا يتم إلهاء البشر بتعابير الانسحاب المؤلم والقرار الصعب والأسباب الديمغرافية للانسحاب للحفاظ على هيمنة العنصر الإسرائيلي في دولة إسرائيل المستقبل، وكذلك فكرة أن الانسحاب ليس من ضغط المقاومة أبدا وإنما هي مصالح التكلفة أكبر من أن يتم تحملها في المستقبل حسب المعطيات. ويجيبه المتعصبون من ملته: فما هذا الانسحاب المؤلم من أرض إسرائيل الكبرى، لا أنت منا إن فاوضت أو تخليت عن شبر من الأرض ونحن نتعب ونكد ونشقى كل يوم ونصلي كل دقيقة لكي نكمل المشوار التوراتي (المزعوم)، إنه كفر صريح بدعوى المتشديين اليهود وما أكثرهم، فهو غير ديني وغير وطني ولا ينتمي إلى الدين وتوصياته وتبعاته. والحقيقة الجلية لبني البشر ممن عنده إنسانية وعقل تقول لا الأرض أرضه ولا السماء سماؤه لياخذها أو ليتخلى عنها كيفما شاء وحيثما أراد ورغب؟!  وها هو الرئيس بوش في واشنطن وخلال مؤتمر صحفي مع القيادة الفلسطينية يصرح ويعلن أن تضع إسرائيل حدا للاستيطان بإزالة المستوطنات (المغتصبات) غير الشرعية وأن تعتبر الجدار العازل جدارا أمنيا لا جدارا سياسيا، أولا ما هو شرعي وما هو غير شرعي، فقد تمت إضافة مصطلح جديد على الدنيا وهي السرقة الشرعية باعتراف الراعي المزعوم لعملية السلام! وثانيا لا إدانة للجدار العنصري البغيض، وماهو الفرق بين الجدار الأمني والجدار السياسي للمواطن العادي بعد أن تمت سرقة أراضيه جهارا نهارا وتحولت حياته إلى جحيم على الأرض، ناهيك عن الدلالات البعيدة المدى بأن لا يتم تحديد الحدود لدولة إسرائيل بهذا الجدار واعتراف أمريكي بوجود وشرعية الجدار الممجوج. ثم يدعو الرئيس بوش الدول العربية أن تطبع علاقاتها مع إسرائيل، هل لأنه يشعر بالقوة والعجرفة فيستطيع أن يملي ما يريد دون شروط أو تقييد. وإن تم التطبيع فلحساب من وكيف يقنعنا التنافس بالمضي نحو الأفضل! أما المنافسة بين إسرائيل والدول العربية فكيف تكون وإسرائيل أقوى عدة وعتادا وتخطيطا وسيطرة، نعم هناك العقيدة من طرف والإيمان والبحث والتجريب من طرف آخر،  وهما من الأسلحة الفتاكة مع الزمن وهما المعطَّلان اليوم بفعل فاعل أو بفعل ظروف دولية، تلك الظروف التي تملك سدة القيادة الآن بمبادرات نحو إعادة هيكلية العقائد مهما استطاعت إلى ذلك سبيلا. وهل يجب ألا يكون هناك عدو، كيف تصمد الدول من دون أعداء وأراضيها محتلة وعرضها مستباح، ولم يستطع العرب النهوض أو التنافس في جو مشحون فكيف ينافسون في جو مرتاح من دون حوافز إلا من فتات الدول الكبيرة ووعود آجلة قد لا تؤتي خضرة ولا ثمارا. والوعود شيء والحقيقة شيء آخر الوعود تقتضي مصالح آنية ونظرة طويلة لما قد يأتي ويكون، الاعتقاد الجلي عند العربي والمسلم هو أن إسرائيل دولة مصطنعة ومغتصِبة وعدوانية، وعند الغربي عموما دولة ذات سيادة وكيان وهي مقهورة ومحاطة بثلة من الأعداء الهمجيين وسفاكي الدماء الذين لا يتورعون عن قتل أنفسهم وقتل الأبرياء، فكيف يكون سلاما عادلا، وإن كان فإنه مصالح وهدنة بين صناع القرار والكيان الاسرائيلي لاغير. وهذه العروض الدبلوماسية وهذه البروتوكولات والجولات كلها ضرورية ولا يشوبها شيء إلا إذا كان في سياق التنازل عن الحقوق، أما إذا كانت في نطاق التحصيل للحقوق ولو جزئيا فلا بأس، فلا تذهب للتفاوض بأوراق خاسرة وإلا لا تذهب وقاوم فقط أما إن كان لديك سند وحقوق مشروعة مدعومة بطلب حقيقي وقوي فاذهب ولا تتنازل من طرف وقاوم من طرف آخر جهري أو خفي، ولتكن ورقتك هو أمن هذه الدولة المصطنعة، فهم هكذا يفكرون الأمن أولا فليكن عندك الأمن أولا ، وسأعطيكم الأمن إذا مضيتم للواجهة بشيء من حقوقي المغتصبة. ورعاة عملية السلام يختلفون في الإيديولوجية عنك في فهم الحقوق والأولويات على الأرض وهذا هو الخطأ الأول، ويجب ألا ننسى بأن الدولة القائمة على العصابات والسرقة لحقوق الشعوب لن تعطي طالما بيدها القوة ولها المنعة، والحل يكمن في إطارين من الدبلوماسية إلى المقاومة. والمقاومة مهما تم نعتها دوليا بصفات وشكليات مستهجنة إلا أنها هي التي أوصلت الوضع عبر السنين إلى الاعتراف الدولي ببعض حقوق الشعب الفلسطيني، أما أن نقف مكتوفي الأيدي ونقول لقد انتهى دورها وطبيعة العمل تحتم ذلك والظروف الدولية ليست ملائمة لطرحها على الساحة فهذا هو البدء في طريق أجوف لن يعطي إلا بقدر ما نضع فيه من جهد دبلوماسي لنصل إلى حلول جزئية غير عادلة. ومن يقول أن فكر المقامة تقليدي جدا وهناك الآن توجه نحو التفاوض أولا وأخيرا فإنه لا خلاف على ذلك إن وثقنا في الطرف المدلل دوليا وإن اطمأنت قلوبنا لرعاة العملية السلمية، ومتى كانت المفاوضات تثمر عن ثمين إذا لم يكن المفاوض يملك نوعا من الردع من أجل كسب حقوقه، ولنسلم بأن المفاوضات هي الطريق الوحيد المفتوح والمقبول، فكيف يكون ذلك، وهل هو الطريق الوحيد لأننا ضعفاء ولن نستطيع الفوز بشيء مطلقا وسوف نُدهس ونعفس ونخسر كل ما لدينا إذا لم نفاوض، أم أنه الطريق الوحيد لان المرحلة تقتضي ذلك من جراء الضغوط الدولية الرهيبة للتطبيع حتى الأذنين وقد وصل إلى الركب الآن.