تأطير

PDFطباعةإرسال إلى صديق

اليوم وفي محكمة عسكرية في إحدى مدن ولاية تكساس الأمريكية يتم البت في قضية واحد من المجندين العسكريين الذين عملوا في أبو غريب في العراق وقاموا بتعذيب السجناء العراقيين على أرض العراق، وقد جاءت إحدى الشهادات ضد هذا المجند على أنه كان يضحك ويقهقه وهو يعذب أسيرا عراقيا وهذا الأسير العراقي يقف مكبلا وعاريا من دون ملابس والمجند يأمره أن يأخذ وضعيات جسدية مشينة، هكذا جاءت الشهادة من أحد الزملاء العسكريين بعد الاستجواب لعدد من الذين عملوا مع تلك الوحدة. شهادة أخرى قالت بأن المجند ضرب أحد المساجين وأفقده الوعي. وجاءت شهادات أخرى على هذا المنوال، وإذا ثبتت هذه التهم حسب رأي وقرار هيئة المحلفين فسيكون نصيب هذا المجند سبعة عشر عاما في السجن العسكري. إنه المجند غرينر وهو في السادسة والثلاثين من العمر.
هناك أناس وحشيون لا قلوب إنسانية في صدورهم البشعة وهناك أناس مرضى في الصدور والعقول معا ولا يسعك إلا أن تتقزز من أعمالهم المنحرفة واللاإنسانية أولا ثم تشمئز من نفوسهم المريضة ثانيا، فمن من الناس في كل أصقاع الأرض يريد أن يحتفظ مسرورا بصورة ذكرى مع مساجين أو أسرى أُرغموا على خلع ملابسهم وأُجبروا على ممارسة أفعال جنسية مقززة وقذرة، ومن من الناس الأسوياء يستمتع كل المتعة ويري هذه المتعة على الملأ من جراء معاناة أسرى لا حول لهم ولا قوة وهذا ماقالته إحدى المجندات في شهادتها أمام المحكمة العسكرية في فورت وود، ورد المحامي المعين لغرينر بأن غرينر كان يتبع تعليمات ضباط الاستخبارات المسؤولين عن التحقيق وذلك من أجل تهيئة الأسرى للاعتراف أثناء التحقيق وبهذا لا يستطيع الدفاع إنكار الأفعال الشنيعة وإنما تبريرها ورمي اللوم على الآخرين أصحاب السلطة العليا في السجن.  فهل كان هذا كله لكي يعترفوا بأن أرضهم سُلبت وأن أعراضهم انتهكت وأن بلادهم دُمرت، فماذا بعد هذا !  تلك هي الأمور الإجرائية التي أشبعتنا منها الإدارة الأمريكية وهي تضحك على هذا الشعب المغلوب على أمره والمسيس بدعوى الديمقراطية، فما هو الوجه الآخر للهذه الحرية والديمقراطية! من الناس على البسيطة من كان مبهورا بالديمقراطية وأسسها وممارساتها وإفرازاتها، وإن كان على تلك الدرجة من الانبهار فلا حرج لأن الإيجابي أكثر من السلبي في تطبيقات أغلب نواحي الحياة والإدارة، والمشكلة الآن كيف يربط الإنسان بين ممارسات ديمقراطية وحرية فكر ورأي إلى حد الإفراط أحيانا وخصوصا في الأمور السلوكية والاجتماعية وبين ما يحصل على أرض العراق، لا نتدخل في أمر العراق الداخلي فهذا شأن أهل البلاد ولهم الحق في التعبير عن أنفسهم فمازالوا منقسمين حتى الآن وهذا شيء مؤسف في الواقع وما علينا إلا أن ندلي بدلونا من الآراء باعتبارنا أخوة لهم في العروبة والعقيدة، أما تقرير المصير فهذا شأنهم إن رضخوا أم قاوموا أم اتفقوا أم ختلفوا. ونعود إلى الأمور الإجرائية التي تشمئز منها النفس وينفر منها العقل بعد سماعها مرارا وتكرارا  في وسائل الإعلام وعبر الأثير، في الحقيقة لا طائل من هذا في خضم القضايا الأساسية عالميا كان أومحليا على مستوى الولايات المتحدة فهذه هي الوكالة والوكالة الأخرى تحقق في أمور التعذيب وهذه هي إدارة البنتاغون تحقق في أمور التجاوزات والتعذيب وغيرها وغيرها وهذا لا إشكالية فيه سوى أنه تم تضخيم هذه القضايا لتحسين الصورة للاحتلال ومن ثم تم تناسي أو نسيان الطامة الكبرى التي أدت إلى هذه الإشكاليات، ولا حرج على النظام ولا تثريب اليوم على الإجراءات فكلها تقع تحت نظام ثغراته غير كثيرة وأموره محبوكة ومدروسة، وفي الواقع لقد تم تأطير المشكلة بعدد من العسكريين الوحشيين أو الشاذين من الناحية الأخلاقية أو السلوكية وبذلك اختزلت القضية إلى أمور إجرائية تتمتع بقانونية الأحداث ضمن أطر تم وضعها مسبقا حول طبيعة الأعمال الاحتلالية والهجوم على بلد آمن نسبيا كان يملك مؤسسات حكومية وإجتماعية.