أيتها الغدير الرائع

PDFطباعةإرسال إلى صديق

أيتها العزيزة، أيتها الغالية، الدنيا لكِ تنحني إجلالاً وإكباراً، والأثير منكِ يحمل عبق الماضي، والدفء منك يبعث رونق الحاضر، وأنت تنثرين شقائق النعمان وترسلين الرياحين على هذا الأديم الواسع الذي خلقه الله سبحانه وتعالى للآدميين، وأنت تتألقين في الوجود الذي جعله الله ملاذاً للبشر، سكناً ومودة، بيتاً فيه رحمة وحنان، مرصداً ينشر الطمأنينة والأمان. 
أنتِ   الحياة  ومنك   القطر   ينهمرُ        أنت  الربيع  وأنت  الحقل  والثمرُ 
أنت الجداول  في لمس الحصى شغفاً    أنت الغدير وأنت  السهل  والشجرُ

من هذا الضلع تأتين، ومن آدم تتخلقين وتخرجين، لا نقصان فيه ولا تهميش، لا نكران له ولا تخسير، وهذا الضلع مترع بالأحاسيس، وهذه العاطفة الكريمة تتجلى في النفوس وتمرح في الآفاق، تسبح في عالمك الأثيري مع الأمواج، وترعى من نفسك الخصبة على المسارح الخضراء والهضاب الوردية، فيها تستقيم الحياة وترتاح، ومنها يستمد الإنسان على هذه البسيطة زهوه وفخره الحقيقي بالاستمرار والنماء، هذا الضلع الكريم الذي يحمي في ميلانه القلب من الأذى ويذود عنه من ضربات الزمان الموجعة، هذا الضلع الرهيب الذي يحيط بقلب كل إنسان درج على الأرض، والقلب هو الفؤاد، هو بوتقة التدبر والشعور، هو مركز الأسرار وربيب العاطفة ومحطة إشعاعات الحنان.
أيتها الغالية الحانية اطمئني، روّحي النفس اطمئني، لا تبالي بالزوابع والرعود، فأنت في هالة الحب والتبجيل، أنت في أنظار الدنيا هذا المهد الجميل، أنت في مساحات الأرض قرآن وتوراة وإنجيل، أنت موئل العالم في لحظات الطيش والخذلان، أنت ملاذ الشاردين، أنت في الأعالي تتمخترين، عرشك في العيون ارتقى وعلى الجباه اعتلى ومنه تسمو أسرار الوجود ويستفيق استمرار الحياة بما رسمه خالق السماوات والأراضين.

هذا  الشموخ    وهذا   العقد   والحلقُ     هذي  البروق  وهذا الغيم  والودقُ
هذا  القوام  يثير   اللحظ   في  عجب     تشتاقه  النفس   أم  يرتاده  الحدق
طيف   تمرّد   لا يلوي   على   بشرٍ   عطر  تضوّعَ   في  أرجائه العبق
يا مهجة  القلب  ومْضاتٌ  إلى قمري     يا روعة الكون  في أعطافه الشفق
أنتِ الربيع  يطوف الروضَ في طرب   والليل  يمرح  في موجاته  الغسق
أنتِ المدامة  في   سقيا    وفي  ظمأٍ   يا لمعة الروح شلال الهوى غـدِق
أصل المودة  في   رؤياكِ    يـتـبـعه    صوت المحبة في الأضلاع يستبقُ
أنتِ الروائح في حضن الزمان نـمتْ    أنت الغوادي وفيها النور والألـق
 
الله الذي لا إله إلا هو رسم الكون وأبدعه، وضع الكتاب وأنشره، خلق الإنسان والطير والشجر، لا فرق في التكوين فيكِ عموماً عن ذكران العالمين، فهو الله الذي صنعكِ في أحسن تقويم، ووهبك الرحمة والعاطفة والتمكين، أعطاك الشفقة والنعومة والقرار المكين، وجعلك سبحانه وتعالى في أعلى عـلّيين حين أوصى بكِ رسوله الكريم، محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
غاليتي، يا مهجة العين والفؤاد، يا حامية الجَنان من الزمان، أنت الأم وأنت الأخت وأنت الزوجة وأنت الابنة، أنت الصداقة والمحبة والنعيم، أنت المودة في القلوب والحرارة في الدموع. لا تحزني فالكون فيك عظيم، لا تغضبي فالرقة لا تفرز الأشواك بين حناياها، حسبك بعض من التقوى، وقسط من الجمال الروحي والثقة الإنسانية. لا يهمك ما يقولون، أنت في المهجة غالية، لا يهمك ما يمترون، أنت في الدنيا عالية، حياك ربي ما دمت على مهيع الصواب والسلامة والتسليم، ما دمت في محراب العطاء والتضحية تساهمين في بقاء الكون الهادر حيّاً، وفي استمرار الأنفاس طاهرة تأتي أكلها في حق أهل البسيطة وحق رب الأرض والسماء، لكِ منّا جميعاً همسة دانية، رقيقة حانية، أنت في القلوب باقية، أنت الغدير الرائع، أنت الغالية.