أنتَ الطريدة لا تجزع

PDFطباعةإرسال إلى صديق

عزم الخيط الأسود على الرحيل، وتهادى الشفق ثم توهج وتلاشى، وبزغ نور الشمس يتماوج فوق الروابي والجداول والصروح العالية والمصانع، ويتمختر فوق البلدات والقرى والشوارع والحدائق والبيوت، دبت في الأرض حياة، ربت الإشعاعات في النفوس، دخلت الأشياء طور النهوض والمشي والتراكض، ثم انتهى النهار في ألق ونور وسعادة، وفي تخاذل ووهدة وتعاسة، وفي كل أنواع المهارات المفيدة والخذلان السيء والضوء والظلام، لكل إنسان وجهة ولك أنت وجهة، للحياة وجهة وللنصر وجهة وللفشل الذريع وجهة، ثم مالت الشمس تناجي القسم الثاني من الأرض، فالأرض قسمان، قسم للركون وقسم للحركة والنهوض، يتعاقبان ويقتتلان فلا ينتهيان، في كل لحظة من التفكير تتحرك الأركان وتتفاعل الأخيلة ويتمادى الدماغ في الأفكار نحو ما يكون وما يأتي، وقد لا يأتي، وفي الطريق الموحشة وحش يربض ولا يرقى إلى مستوى التفكير دوماً، ولا يعرف مكاناً على مساعي البشر الحثيثة طالما تركته يمور في وحدته، وهذا الوحش يسكن في كل الطرقات المتعرجة، وفي كل الزوايا الميتة، أحد هذه الوحوش تمكن من الفرار من العقول القديمة إلى ناصية الدرب عندك، إلى تخوم التفكير والنهوض والمضي في سبيل القادم من الأيام، وها هو يتقدم نحوك كلما فتحت عينيك وكلما أصخت السمع للهدير الآتي على درب الحياة المستمرة، لقد أكل للتو واحدة من أفكارك ثم مضغها، تركها على حافة الطريق الموحشة المتعرجة، ركب الحاضر وتسلق الماضي وهو يمضي للأمام يكاد يخترق المستقبل بحوافره وأسنانه، وهكذا كلما خرجتَ من بيتك وجدته أمامك يسبح في الهواء السميك أو يربض في زاوية رطبة عتيمة خلف مبنى المستقبل، يعبث بأسنانه الحادة ويلحس قوائمه ثم يحك أذنيه الطويلتين، له فوق ظهره سنام مخرشم يعلو ويهبط مع اقتراب موعد الأكل، وله بين يديه كرة سوداء يدحرجها أمامه لا تكاد تنفلت منه إلا وتعود بين يديه، قاسية ولزجة، يحطّم بها الطريق أمامه فلا يجد درباً أملس يمشي عليه، هكذا هو لا يعرف كيف يستدير إلا بصعوبة بالغة، ولا يدري أنه بشع مقزز يخيف البشر في الأرواح، ويرعب أخيلة الناس أن تتمشى في المستقبل الناجع أو تترامى نحو مدارات الفضاء الواسع، يحب أكل الأفكار ومضغها بتلذذ رهيب وشهية لا تنثني، ويتعطش لشرب ما تبقى من عصارتها على قارعة الطريق المتعرجة، هو ذا الخوف الجاثم في تلافيف العقول، وهو الخوف القاطن في أنحاء الصدور يحارب الجَنان عن النبض بحرية ويقلق الهوادي عن امتطاء الزمان، ويعادي سلسلة الأفكار التي ما تفتأ تتداعى وتأتي من الأنفاس والفؤاد والعقول والخيال، هو ذا الخوف القابع فينا، هو نفس الخوف الهابط في حجرات النفس البشرية المتخلخلة المهزومة المنشقة عن المستقبل الكريم، أنتَ إذن الطريدة المرجوّة، وأنت الصيد الثمين في كل ومضة تفكير وفي كل خيال آتٍ من أعطاف اللوامع في العقول والدوافع في الدموع، أنت المقصود في كل آنٍ وحين، لا تجزع ولا تيأس فالخوف ظلٌّ لا يقيم، والخوف أوهامٌ لا تدوم، والخوف مرقده يخاف من اليقين.