النفوس المحتلة

PDFطباعةإرسال إلى صديق

تتهادى النفوس من الأعالي البريئة، وتتداعى الصور والخيالات، تتنفس في الأجواء معلنة ظهور الأحلام في وقت السحر، تتلقى تعليماتها من الإلهامات الإنسانية الممزوجة بالتاريخ منذ وجود البشر على وجه الأرض، تمتمات مسموعة وهمسات تتدافع نحو الشطآن والصوت يحكي وفي الصوت أسرار وأسرار، يتمدد ولا يختفي، وتلك الأقمار التي تنير الدرب تارة وتختفي تارة خلف السديم فتختلف الأفكار وتتداعى، وها هي النفوس المحتلة بسياج من أشواك تقطر شغفاً في حب الدنيا، والممتلئة بالآفات والترهات والأحزان تتخلص منها في ليلة باردة مظلمة تحت أجنحة الخلاص من الأوهام والتوابع وتنطلق نحو خالقها وموجدها، ترفل بالحميمية وتندرج في فضاءات النقاء حيناً بعد حين، والروض منها يتألق والحقل منها يتنمّق، والأيكة تتعلق بأهداب الخمور النبيلة دون الغول ودون خلاص من التفكير الشفيف، تسكر الأرواح وتنأى والسديم يخلص إلى غلالة بيضاء شافة أرق وأنقى من الأثير، كالماء الزلال فوق حصيات الغدير المتلاحمة، تتفاعل الأمنيات وتتقارب الحوريات والموج يبلعه صوت التاريخ المدوي في أرجاء النفوس المحتلة، همسات صاعقة وتمتمات قادمة والموج يخبو ويخبو وتصفو أجواء النفوس وتتعافى الثقافات وتتماشى مع المرسوم من الآيات، ومن يعرف الحاسة السادسة والنصف يعرف ما يأتي وما يكون، ولا يعرف غيرها فيفقد الحواس الخمسة جميعاً، وينأى عنه الحدس الرفيع إلا من هذا النصف الرهيب المكنون، وقعه كالقطر فوق التلال، ونزوله كالندى فوق العشب الطري، فلا يتعامل مع غيره ولا يتعاطى مع من دونه، ولا ينتبه إلا إلى مايرى في هذا النصف الكبير من الحواس المندفعة والعائدة، لا يشقى ولا يبلى إلا ما كتبه الله من الفناء المادي والتعرية الطبيعية، ولا ينأى عن طريق الحلم والأمنيات وهو يسبح في رحاب الحاسة السادسة والنصف مع بزوغ كل شفق وفي حلول كل غسق، ولا يعرف أضرار الدنيا إلا إلماماً، ولا يتكئ على حطام لا يدوم ولا يبقى، ولا ينفرد بالأفكار إلا ما تمنى على وسادة النوم بعد الضحى وأحلام السحر تتوالى وتتوالى، والموج تبلعه ذبذبات التاريخ ولا تعيده وها هو المستقبل فرح بالحاسة السادسة والنصف التي تحيل البشر إلى ما يريدون وما يشتهون... والعمل الطموح لا ينتهي، والهمة عالية، والنصف يتمطى ويرقى ليعود في رحاب الحاسة السادسة والنصف يملؤها سعادة وغبطة في طريق الحياة الطويل والقصير.