المعري بين الفلسفة والانعزال

PDFطباعةإرسال إلى صديق

أبو العلاء المعري أديب وفيلسوف من العصر العباسي ، ولد في المعرة الواقعة وسط سوريا اليوم سنة 973 ميلادية (363 هجرية) وتوفى فيها سنة 1057 ميلادية (449 هجرية). أصابه العمى وعمره أربع سنوات وأثر ذلك على حياته ومنهجه تأثيرا بليغا وخلق منه – بالإضافة إلى عوامل أخرى محيطة – رجلا ذا نظرة ثاقبة متميزة تختص بحدين ، حد فلسفي وحد واقعي.

يقال أن أبو العلاء كان يقول:  أنا أحمد الله على العمى كما يحمده غيري على البصر،  فقد صنع لي وأحسن بي إذ كفاني رؤية الثقلاء البغضاء.
 
استلهم أبو العلاء علمه منذ صغره من طرابلس الشام واللاذقية (إذ إطلع على أقوال الفلاسفة اليونان وشكك بالأديان) وإنطاكية وبغداد (حيث اتصل بأراء الفلاسفة الفرس).

طمح أبو العلاء في شبابه بالمجد والخلود كما يرينا في ديوانه (سقط الزند):
ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل   عفاف   وإقدام    وحزم  ونائل
تعد   ذنوبي  عند  قوم  كثيرة   ولا ذنب لي إلا العلا والفواضل
وإني وإن كنت الأخير زمانه   لآت  بما  لم   تستطعه   الأوائل

وتبحر أبو العلاء بعلوم اللغة واشتقاقاتها والنحو وعلوم الدين وبدا عليه ذكاء خارق منذ صغره في الحفظ وقوة الذاكرة والنباهة.

عالج أبو العلاء مواضيع شتى في شعره وكتاباته كما تطرق إليها كثير من الشعراء والأدباء وتميز عنهم بالقصد المبهم واللفظ الغامض وبفلسفته ودخوله إلى أعماق الأمور بوجهات نظر غريبة عن العوام في زمنه. كره الناس والعشرة والحياة وعشق البعد والموت وحلل الحياة وعناصرها من خلال نظرة فلسفية تشاؤمية تعتمد بشكل ملوحظ على العقل. طرد الروحانيات وسلط عقله الحاد والثاقب على حياته الأدبية والموضوعية وجعله إماما وحيدا في اسلوبه ومعتقده في مراحل حياته فتعددت من ذلك وجهات نظره في الخلق والخالق والبعث والنشور والطبيعيات وغيرها ، وتذبذب في آرائه بين الواقع المرير لديه وبين الخيال العقلي المحسوس بحدسه الرفيع ، قال في اللزوميات:
كذب الظن لا إمام  سوى العقل مشيرا في  صبحه   والمساء
إذا    ما أطعته    جلب  الرحمة   عند    المسير    والإرساء
فانفرد ما استطعت فالقائل الصادق يضحي ثقلاء على الجلساء

وقال:
ساتبع من يدعو إلى الخير جاهدا   وأرحل عنها ما أمامي سوى عقلي

شكك أبو العلاء في الديانات وكذب الدين وحمل الأديان مسؤولية الشقاق والبغض والعداوة بين الناس في مواضع كثيرة من شعره في اللزوميات خاصة ثم ناقض نفسه وعقله وأردف شعرا أو أبياتا في مواضيع  أخرى تدعو بأن أبا العلاء مؤمن بالله ودينه والبعث والمغفرة:
 
دين وكفر وأنباء تقص    وقرأن ينص وتوراة وإنجيل
في كل جيل أباطيل ملفقة   فهل تفرد يوما بالهدى جيل

وقال:
أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما   دياناتكم مكر من القدماء

وقال في رثاء أبي إبراهيم العلوي:
لعلك في يوم القيامة ذاكري   فتسأل ربي أن يخفف من إثمي

ثم:
سلم إلى الله فكل الذي    ساءك أو سرك من عنده
لا ريب أن الله حق فلتعد    باللوم أنفسكم على مرتابها

بذلك نستخلص أن ضريبة الفلسفة العلائية هي التذبذب في إنكار ثم إثبات الأشياء والعكس.

دامت مرحلة اعتزال المعري للمجتمع وزهده حوالي نصف قرن امتدت حتى وفاته ، عكف فيها على المطالعة والتأليف والتصنيف بعيدا عن المجتمع والناس والطيبات المباحة وكانت رحلته إلى بغداد في شبابه لطلب الشهرة ووجود الأعداء بالمرصاد له هناك مؤثرا هاما في زهده وإعتكافه وإنصرافه عن الحياة اليومية الروتينية التي عاشها العوام.
اجتنب الناس وعش واحدا   لا تظلم الناس ولا تُظلم

نادي المعري الموت وتطلع إليه تطلع الزاهد الراغب فيه للإنفكاك من ثقل الحياة على عاتقه وروحه وعببء الناس وعذاب النفس المليئة بالمتناقضات:
فياموت زر إن الحياة ذميمة   ويا نفس جدي إن دهرك هازل
ما أطيب الموت لشرابه    إن صح للأموات وشك التقاء
فهنئ ولاة الميت يوم رحيله   أصابوا تراثا واستراح الذي قضى

نقد أبو العلاء كغيره الأوضاع الفكرية والدينية والأحوال العامة في عصره وأضاف عليها أراءه الفلسفية العميقة الغامضة مما لا يتوافق مع الفكر والتفكير الساري في ذلك الوقت حيث حكم العقل لإيجاد اليقين في المناهج الفكرية الواردة في ذاك العصر وأبدى التشاؤم الكثير نحو الإصلاح ونقد الغفلة العقلية الدارجة عند سواد الناس وأسيادهم بحسرة وتأسف وآلم ، وطعن بالبشر وأعلن حقده على المجتمع والحياة والأسلوب:
خست يا أمنا الدني ا فأفّ لنا   بنو الخسيسة  أوباش   أخساء
يموج بحرك والأهواء غالبة   لراكبيه   فهل  للسفن   إرساء
وإن تعطفت يوما كنت قاسية   وإن نظرت بعين فهي شوساء

وصرخ مرة:
بني آدم بئس المعاشر أنتم   وما فيكم واف لمقت ولا حب

زمان    يخاطب   أبناءه    جهارا  وقد جهلوا  ما عنى

انخرط المعري في نواحي فلسفية متعددة إلهية وعلمية وبعضها عملية ومنها مصدر الروح ومسيرتها ومصيرها كمثال بسيط على الفلسفة الالهية:
كإنائك الجسم  الذي  هو صورة   لك في الحياة فحاذري أن تُخدعي
لا فضل للقدح  الذي  استودعته   ضربا   ولكن   فضله    للمودع

وقال منافيا رأيه الأول:
والنفس تفنى بأنفاس مكررة   وساطح النار تخبى نوره اللمع

وقال يقصد الروح:
لا حس للجسم بعد الموت نعلمه   فهل تُحس إذا بانت عن الجسد

ولما كانت للمعري أسباب ذاتيه طبعت عليه طابع الفلسفة والإنعزال والزهد والحيرة فإن هناك أسباب محيطة وهي عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي وفقدان الأمان وركض البشر وراء الماديات وبشاعة المعاملات الاجتماعية وكثرة الحساد والحقد كما رأى أو بالأحرى كما علم، وقد ألف أبو العلاء كتبا بحالها وقصائد كاملة مدافعا فيها عن نفسه وأفكاره من أعدائه وخصومه ولعل صراحته وآراءه الفلسفية المناقضة للتفكير العام في زمنه وخصوصا في الدين والرسل والبعث والخلق والخالق كما في اللزوميات ، أضفت عليه طابعا مميزا جعله مهدا للأعداء في وقته حيث تباين الآراء الدينية والفكرية المتمركزة حول الإسلام ، فكان رده على خصومه مثلا في كتاب (نجر الزجر) تبيانا لهم وإيضاحا عن آرائه في اللزوميات فزادوه زجرا وتوبيخا.

وبنفس أسلوب أو بالأحرى فكرة اللزوميات لجأ المعري في رسالة الغفران إلى التهكم ورأى بعضهم أن ذلك مسليا يبعث على الضحك ورأى فريق آخر أن ذلك يوحي بالعمق الفكري والتنوع الخيالي والصرامة اللغوية والتفوق التصويري والخروج المؤثر عن الزمان والمكان.

كان السجن الحقيقي لأبي العلاء جسده لا بيته أو فقدان بصره كما وصفه طه حسين في " تجديد ذكرى أبي العلاء". ونرى أيضا أن أبا العلاء وصف خياله الفلسفي المعقد المليء بالشك في كلمات منظومة على نظم السابقين ووضع له قيودا غير مرئية للقارئ السطحي ، أما المتعمق فإنه يرى أن تلك القيود متمثلة فيما يوثقه العقل البشري عند المعري ، وفيما يمليه التصديق العقلاني للمسائل والأفكار في وقتها ، فقد جمع المعري بين الخيال الشعري (مع ضعف الوصف البصري نسبيا) والفلسفة المتباينة في الرد على تساؤلاته وعلى الإيحاءات النفسية والتطورات الروحية التي إنتابته دون إراده ذاتية. ، وربما ... ربما وجد المعري لذة في الحرمان والعذاب والتباينات الفكرية لديه عند وصفها وإخراجها للآخرين بقوته اللغوية والتعبيرية.

فبين الفلسفة والإنعزال جاء الشعر عند المعري كطريقة تعبيرية عن ما مر فيه من العذاب والقسوة والحيرة وعما رآه بقلبه وبصيرته النفسية حوله عن طريق عقله ، ويمثل أبا العلاء هنا جسرا هاما بين القديم والجديد من الناحية الفلسفية في الشعر ونظمه ومنهجا فكريا فلسفيا متكاملا مليئا بالتناقضات الجزئية وداعيا للتفكير والتمحيص. وعلى ذلك جاء أدب المعري مسرحا لعب فيه الأدباء والنقاد من بعده حتى يومنا الحاضر ، فكان أبو العلاء أسطورة في الأدب العربي العباسي وما بعده، وقد وصل المعري كما طمح في شبابه قبل إنعزاله إلى الخلود في الحياة الدنيا بما أعطى من جدارة المواقف وصلابة العزة بالنفس والفلسفة العقلية خصوصا والثورة الفكرية وحقوق الإنسان على نفسه عن طريق تصديق العقل.

ومهما كانت طبيعة أبي العلاء الحقيقية من تصديق أو كفر في قرارة نفسه الهائمة والمتموجة والمذبذبة ورغم غموضه أحيانا كثيرة وتباين أغراضه المقصودة (ربما خوفا من التصريح الكامل الواضح) فإنه عالج ثورة فكرية بالقلم والعقل لا بالسلاح المعهود.