الخاسر الكبير

PDFطباعةإرسال إلى صديق

الشعب يؤخذ بجريرة قادته، مقولة أثبت جلّها التاريخ على مجمل الحقيقة، مقولة لا تتعدى أن تكون حفرة تقع فيها البشرية مرة بعد مرة ومن لا يتعلم من الماضي لا يسلم من المستقبل أن يجزّه جزاً دون رحمة، مقولة لا يكفيها أن تقف على بدايات القرن الواحد والعشرين إلا أن تدون حقائق لا تخفى على العقلاء من بني البشر، وإن قيل أن التاريخ يكتبه المنتصر فلا يستطيع المنتصر أو المغلوب إخفاء جميع النوايا أمام المستقبل والأفعال تدل على الأهداف المعلنة منها والمحبوسة. وإن كان الشعب محكوما من قبل ديكتاتور أو طاغية  جبار فإن التاريخ قد لا يغفر للشعب أعمال هذا الحاكم أو الطغمة الحاكمة إن أذت الشعوب الأخرى مستعملة شعبها، والعبرة في الماضي فكل الذين تجبّروا وغزو بلادا أخرى وخربوها دخلوا التاريخ على أنهم مجرمون ومعهم شعوبهم التي أعطت إما الدعم أو الجنود أو الاثنين معا. 

إنه لمن المؤسف أن يصير صلب الثقافة الأمريكية والشعب الأمريكي كله إلى مهب الريح يعاني من الاتهام والعزلة أمام شعوب العالم رغم بساطته في منهجية الوصول إلى حياة يومية فردية كريمة على غالب الأمر، والخاسر الكبير هو هذا الشعب الخيّر بطبيعته الفطرية والذي سيدفع ثمن التهور من قبل ساسته على الصعيد الداخلي والخارجي، وليس صحيحا أن الدفاع عن الأمن يتطلب كل هذا العنف المضاد واليد الحديدية الباطشة والطلب الإجباري من العالم والبشر أن يكونوا إما معه أو ضده، والأجدى هو تفعيل مسار معالجة الأسباب على المدى الطويل وهذا بالطبع يتطلب إرساء العدل وهو بما لا يتوافق مع الأهداف التسلطية الاستعلائية، فإن كانت الإدارة الأمريكية تريد الديمقراطية في أماكن أخرى فهو من أجل تنفيذ سياسات تسلطية وليس حبا في الشعوب كما تزعم أمام شعبها وإلا لماذا هذه المنطقة بالذات والمنطقة في الواقع لم تنضج بعد من أجل ديمقراطية على هذه الشاكلة ولن يسمح الناس بها على هذا المنوال عداك عمّن يتمسك الآن بزمام الأمور بأسنانه إلى أبعد مدى.

ومن المفارقات أن النواحي الإنسانية في المجتمع الأمريكي تتفوق على كثير من المجتمعات رغم حداثة المجتمع والازدهار النسبي والتقدم الاقتصادي، وتقوم دغدغة العواطف الإنسانية بدور فاعل في استقطاب شرائح مختلفة من المجتمع في المساعدة والأعمال الخيرية والإيثار المبرمج، ولكن لسنوات هيمنت المصالح العليا للإدارات الأمريكية على الأمر وتم استغلال النواحي الإنسانية الحساسة مثل المساعدة على التقدم في الحياة للآخرين ونشر الحرية وجلب السعادة للبشرية على وجه الأرض ، وهو استغلال الشعور بالواجب تجاه العالم لتحريره من مخالب الديكتاتورية والظلم والفقر حسب ما تزعمه هذه الإدارة بالتحديد، وبشكل مباشر وغير مباشر تكره الشعوب بعضها في حالة الحرب فالذين يقتلون الجنود الأمريكيين عرب والذين يذبحون الأمريكيين عرب ولا تفتأ الآلة الإعلامية تظهر الآلام التي يعاني منها الجنود في مهماتهم التي يصفونها بالإنسانية وتتناسى هذه الوسائل وتغض الطرف عن المآسي التي تخلفها الآلة العسكرية الغاشمة من تدمير وهلاك وترويع وخسران، فقتل الأطفال والنساء والمدنيين تحت أنقاض القصف الوحشي هو عبارة عن أمر إما عن طريق الخطأ أو أنه لا بد منه في سياق استئصال أعداء الحرية والميليشيات المسلحة المعادية، وهدم البنى التحتية هو أمر لا بد منه من أجل مستقبل حر كريم لمن تبقى من الشعب، وهكذا تكون الأجوبة جاهزة ومعلبة إن حصل وتعرض أحد للسؤال، بالإضافة إلى تعميق الفجوة بين التعايش وفهم حقيقة الأمور بين الشعوب... وأذكر في حرب الخليج الثانية لم تهدأ الفاكسات (لم يتوفر البريد الالكتروني ورسائل الجوال بعد) بين شرائح من الناس في أمريكا على كراهية صدام وكراهية جميع العرب وكل ما هو عربي ولم تهدأ النكات على نمط الجندي العربي وكذلك المرأة العربية بدناءتها ووساختها كما وصفوها مرة بعد مرة على الرغم من أن الحرب قامت من دولة عربية وكانت بالتحالف مع جميع  الدول العربية عموما ضد نظام واحد طاغية كما بثته وسائل الإعلام في أمريكا، لذا فإن حركات الشعوب لا تنضبط بتصريحات واهية بل بوقائع وأفعال، والتفكير النمطي عند البشر سطرٌ لا يستهان به ولا يقدر على تغييره تصريح رسمي خجول أو ادعاء بل دعاية مستديمة تدعمها أفعال على الأرض.

لماذا يكرهوننا؟! سؤال تم طرحه وترديده مرارا على أعلى المستويات في الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ومن بين الأجوبة النمطية : إنهم يكرهون حريتنا ومبادئ الإنسانية والعدل التي نحملها. ومن الأجوبة أيضا : لا يريدون التقدم والازدهار والاستقرار لمجتمعاتنا الحرة. هكذا بكل بساطة. فكيف تقوم الحلول الناجعة نحو التهدئة والتعايش العالمي إذا كان هذا هو المفهوم السائد والمحشو في أدمغة صناع القرار ومنفذيه في أروقة هذه الدولة ذات القوة العسكرية والتقنية الضاربة في هذا الوقت.  هناك مساران يجب أن يتماشيا سوية وإلا فلا حل يلوح في الأفق:
أولا يجب الرد على هذا السؤال بموضوعية مبنية على الواقع البشري الحالي والصراعات القائمة وتنضيد الأولويات على من هو الظالم ومن هو المظلوم بحسب التاريخ والوقائع لا بحسب الأهواء والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية فقط..... هل يعقل أن معظم إن لم يكن كل الساسة الأمريكيين مغيبون عن الواقع ويعتقدون أن هناك شعوبا أخرى تكرههم لأنهم فقط ينعمون بالحرية وهم أي الشعوب متخلفون وجاهلون.
ثانيا لا غبار على مقولة بعض الساسة بتوعية العالم العربي والإسلامي بما يتماشى وبشكل موضوعي إنساني هادف مع توصيات اللجنة المنبثقة عن الكونغرس للتحقيق في أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
التصريحات من الساسة الأمريكيين تتذبذب فبعضهم يتهم "الإرهابيين" بالكراهية لهم فقط من أجل الكراهية وآخرون يتهمون الأيديولوجيات والشعوب التي تقف وراء "الإرهابيين"، والواقع يتجه الآن لكراهية الساسة والشعب الأمريكي عموما من قبل الشعوب الأخرى حتى ولو مدت الحكومات الأخرى يد الطاعة لهذه الإدارة الآن، وهذا مؤسف بحق لأنه قد لا يكون للشعب فيها يد إلا أنه تسلط عليه قادة منحرفون نحو الاستغلال والتقدم على حساب السيطرة على مقدرات الآخرين. المشكلة التي أشكلت عليّ هو أن الرئيس بوش لا يعرف (لماذا يكرهوننا) هذه، فإن كان صادقا فيما يدعي ويصرح فهو عديم الدراية بأمور البشرية بدءا من الثقافات الرئيسية الأخرى وانتهاء بالتاريخ وذلك لا يغفر له قيد أنملة، وإن كان على غير ذلك فهو سفاح انتهازي مسيّر من قبل أصحاب النفوذ العالي المتسلط.

هناك معضلة حقيقية ... ما هي أولويات الناخب الأمريكي؟ أهي اختيار الطرف الأخف ضررا على العالم أم الأفضل للشعب داخليا، فهذه المعادلة في الخيارين المطروحين في الساحة تحتاج إلى تدقيق وتمحيص، فالأمور الداخلية من تأمين فرص العمل والصحة والضرائب ملموسة نسبيا للناخب الأمريكي من أجل صنع قرار ولها إحصائيات ومؤشرات وتتبع أسلوبا منهجيا ولا تخضع بشكل مؤثر جدا لوسائل الإعلام والدعاية الرئاسية والانتخابية، أما الأمور الخارجية بما فيها شؤون الأمن القومي والتحالفات الاستراتيجية فهي معتمدة بشكل مؤثر على الإعلام وتوجهاته وتحليلاته وقسم لا يستهان به منها بالطبع لخدمة مصلحة مشروع الكيان الصهيوني، وبالتالي ثقافة الشعب بنطاقات السياسة الخارجية مستمدة من وسائل الإعلام والناخب العادي لا يدري حقيقة مايريد في هذه الناحية سوى نفسه والمقربين ممن حوله وغالبيتهم يؤخذ بالتعاطف والتبعية، وبالمقابل فإن السياسة العامة لغير الأمريكيين خارجيا وبالأخص المتضررين من هذه السياسة واحدة ربح من يربح وخسر من يخسر ، والفرق الواضح يكمن في أساليب تحقيق الأهداف في السيطرة والاستعمار ولذلك يجب على من يأتي للإدارة الأمريكية المراجعة الشاملة للسياسات الخارجية من أجل تحسين الصورة لهذه الدولة الكبيرة إن كان بالطبع يهمه الأمر في تقدم هذا الشعب وهذا البلد عالميا على المدى الطويل.


ريان الشققي