تجادل عن نفسها

PDFطباعةإرسال إلى صديق

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

هل تنفع دراسة المحاماة في شيء عند الحساب؟ أمْ هل تجدي نفعاً معرفة القانون والتعليمات عندما يأتي الإنسانُ ربَّه فرداً؟ حقيقة الأمر هي إن درستَ أم لم تدرس سيان، إن عرفتَ أم لم تعرف لا فرق أبداً وقتها، ولو حاولت أن تجادل عن نفسك فلن تفلح ولن تقنع أحداً إلا إذا كان عملك ينفعك وكان رصيدك من الإيمان والعمل فيه وزن وعليه الاعتماد، أما حججك فمهما كانت جيدة في منطق العقل البشري ولو زيَّنتها وزخرفتها فهي باهتة واهية عندما يقول الله تعالى في سورة الإسراء 14: (إقرأْ كتابَكَ كفى بنفْسِكَ اليومَ عليكَ حسيباً)، فكيف تجادل عنها وهي الحسيب عليك وعلى صنيعك بما عملتَ في الدنيا، ونعلم أن لكل نفس أجل ولكل إنسان نهاية على هذه الأرض، يقول لله تعالى في سورة العنكبوت 57: (كلُّ نفْسٍ ذائقةُ الموتِ ثمَّ اإلينا تُرْجَعُون). وعلى هذا فإن الإنسان يأتي ربَّه وحيداً لا صاحب معه ولا ولد ولا أحد يشد عضده أو يعينه على تلك النوائب، قال تعالى في سورة مريم 80 : (ونرِثُهُ ما يقولُ ويأتينا فرْداً)، وقال أيضاً في سورة مريم 95: (وكُلُّهمْ آتيهِ يومَ القيامةِ فرْداً)، ويقول الله عز وجل في سورة ق 21 و 22: (وجاءتْ كلُّ نفسٍ معها سائقٌ وشهيدٌ، لقدْ كنتَ في غفلةٍ منْ هذا فكشَفْنا عنكَ غطاءَكَ فبصرُكَ اليومَ حديد)، فيرى الإنسان حينئذ ويبصر كل ما قدَّمه في الحياة الدنيا فهو ماثل أمام ناظريه واضح جليٌّ لا غبار عليه.

ويبدأ الجدل وقتها والمحاولات على قدم وساق والنفوس في تفكير دائب وهي تستعد لتجادل عن نفسها يوم ترى ما في الآخرة من أهوال وما ينتظرها من العذاب.
النحل 111: (يومَ تأتي كلُّ نفسٍ تُجادِلُ عَنْ نفسها وتُوَفَّى كلُّ نفسٍ ما عمِلَتْ وهمْ لا يُظلَمون).
النساء 109: (ها أنتمْ هؤلاءِ جادَلْتُمْ عنهمْ في الحياةِ الدُّنيا فمَنْ يجادلُ اللهَ عنهمْ يومَ القيامةِ أمْ مَنْ يكونُ عليهمْ وكيلاً).
البقرة 123: (واتـَّقوا يوماً لا تَجزِي نفسٌ عنْ نفسٍ شيئاً ولا يُقْـبَلُ منها عدلٌ ولا تنفَعُها شفاعةٌ ولا همْ يُنْصَرون). لا ينصر الإنسان إلا القلب السليم.
يس 65 : (اليومَ نختمُ على أفواهِهِمْ وتكلِّمُنا أيديهِمْ وتشهَدُ أرجُلُهُمْ بما كانوا يكْسِبون). فلا المجادلة تفيد ولا الكلام يغني عن الإنسان شيئاً من الله.

النور 24: (يومَ تشهدُ عليهمْ ألسنتُهُمْ وأيديهِمْ وأرجُلُهُمْ بما كانوا يَعْمَلون). هي قدرة الله الذي أنطق كل شيء.

القيامة 14: (بلِ الإنسانُ على نفسِهِ بصيرةٌ، ولوْ ألقَى معَاذيرَهُ). فمهما خطَّط وجادل وقال وأتى بالحجج فهي واهية ولا تنفعه بشيء إلا نية كريمة وعمل صالح.

وكيف يجزي الله النفوس! أليس هو العدل الحكم وهو العزيز الحكيم، قال تعالى في سورة يونس 44: (إنَّ اللهَ لايظلمُ الناسَ شيئاً ولكنَّ الناسَ أنفسَهُمْ يَظلِمون)، والله تعالى يوفي يوم القيامة كلَّ نفس من ذكر أو أنثى بما عملت فتجد ماعملتْ أمامها منشوراً دون شك أو ريب فكتاب الله أعمُّ وأدقُّ مما يتصوره الإنسان:
البقرة 110: (وأقيموا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وما تقدِّموا لأنفسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تجدُوهُ عنْدَ الله إنَّ اللهَ بما تعْملون بصير).
البقرة 281: (واتَّقوا يوماً تُرْجَعُونَ فيهِ إلى اللهِ ثمَّ تُوَفَّى كلُّ نفسٍ ما كسبتْ وهمْ لا يُظلمون).
آل عمران 25: (فكيفَ إذا جمعْنَاهُمْ ليومٍ لا ريْبَ فيهِ وَوُفِّيَتْ كلُّ نفسٍ ما كسَبَتْ وهمْ لا يُظلَمون).
ابراهيم 51 : (ليجْزِيَ اللهُ كلَّ نفسٍ ما كسَبَتْ إنَّ اللهَ سريعُ الحساب).
طه 15: (إنَّ الساعةَ آتيةٌ أكادُ أُخفيها لتُجْزَى كلُّ نفسٍ بما تَسْعى).
العنكبوت 6 : (ومَنْ جاهَدَ فإنَّما يجاهدُ لنفسِهِ إنَّ اللهَ لغنيٌّ عنِ العالمين).
الجاثية 15: (مَنْ عَمِلَ صالحاً فلنفْسِهِ ومَنْ أساءَ فعليْها ثمَّ إلى ربِّكُمْ تُرْجَعون).
فصلت 46:  (مَنْ عَمِلَ صالحاً فلنفسِهِ ومَنْ أساءَ فعليْها وما ربُّكَ بظَلَّامٍ للْعَبيد).
الزمر 70 : (وَوُفِّيَتْ كلُّ نفسٍ ما عَمِلَتْ وهُوَ أعْلمُ بما يفْعَلون).
المدثر 38: (كلُّ نفسٍ بما كسَبَتْ رَهينةٌ).
التكوير 14: (عَلِمَتْ نفسٌ ما أحْضَرَتْ).
من اكتسب السوء والإثم والتكذيب فلا يُجزى إلا بها ولهذا فإن لكل نفس كتاب لا يضل ربنا ولا يشقى، ولكل نفس ما عملت من السوء تراه محضراً عند العليم الحكيم وقت لا ينفع الجدل ولا تفيد المقارعة:
النساء 111 : (وَمَنْ يَكسبْ إثْماً فإنَّما يكسبْهُ على نفسِهِ وكانَ اللهُ عليماً حكيماً).
الزمر  56 : (أنْ تقولَ نفسٌ يا حْسَرَتى على ما فرَّطْتُ في جَنْبِ اللهِ وإنْ كنتُ لَمِنَ السَّاخرين).
جوهر قضية الإنسان العمل والحساب لا شيء قبله ولا شيء بعده، قال تعالى في سورة الذاريات 56: (وما خلقتُ الجنَّ والإنْسَ إلا ليَعْبُدون). هنا ينفي الله سبحانه وتعالى كل الأهداف من الخلق ويثبت هدف العبادة لا غيره، أبداً لا غيره على الإطلاق، وهنا نستشفُّ الحكمة من الخلق فكل ما جرى ويجري في هذه الدنيا إن لم يكن بهدف العبادة أو في معرفة الله عز وجل فهو هباء ضائع لا طائل منه، قال تعالى في سورة الفرقان 23: (وقدِمْنا إلى ما عَمِلوا مِنْ عملٍ فجعلناهُ هباءً منثوراً)، لهذا فإن معرفة الذات أمر واجب على النفس وهام في حياة الإنسان، وتحديد الأهداف الأخرى المختلفة في الدنيا ضروري وله إيجابياته ولكن إن خرجت هذه الأهداف عن مظلة العدل في معرفة الخالق فقد ظلم الإنسان نفسه ومن يظلم نفسه يحتاج إلى أن يجادل عنها كثيراً ولن يفلح ولو كان من أفضل المحامين وأنجع القضاة وأشهر المناظرين وأعتى المجادلين، فمن أجل العبادة خلقهم ومن عبد فقد أفلح ومن كذب وعصى فقد انهار وخسر، وكتاب الإنسان الذي يحمله يومئذ ينطق عنه فهو المصير المبين:

النساء 42: (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذينَ كفروا وعَصَوُا الرَّسولَ لوْ تـُسَوَّى بهِمُ الأرضُ ولا يكتمُونَ اللهَ حديثاً). وذلك بما تشهد عليهم أعضاؤهم وأعمالهم وأنفسهم وبما يرون من أهوال ذلك اليوم بعد أن تتكشف لهم الحقائق جهاراً.
المجادلة 6: (يومَ يبعثُهُمُ اللهُ جميعاً فينبئُهًمْ بما عملوا أحصاهُ اللهُ ونسوهُ واللهُ على كلِّ شيءٍ شهيد).
الجاثية 29: (هذا كتابنا ينطِقُ عليكمْ بالحقَّ إنَّا كنَّا نسْتَنْسِخُ ما كنتمْ تعملون).
الحاقة 19: (فأمَّا مَنْ أوتيَ كتابَهُ بيمينِهِ فيقولُ هاؤمُ اقْرَؤوا كتابيَهْ).
الحاقة 25: (وأمَّا مَنْ أوتيَ كتابَهُ بشِمالِهِ فيقولُ يا ليتني لمْ أوتَ كتابيَهْ).
الانشقاق 7 و 8: (فأمَّا مَنْ أوتيَ كتابَهُ بيمينِهِ، فسوفَ يُحاسَبُ حساباً يسيراً).
الانشقاق 10-12: (وأمَّا مَنْ أوتيَ كتابه وراء ظهرِهِ، فسوفَ يدعو ثبوراً، ويَصْلَى سعيراً).
الكهف  49: (وَوُضِعَ الكتابُ فترى المجْرمينَ مُشْفِقينَ مِمَّا فيهِ ويقولونَ يا ويْلتنا مالِ هذا الكتابِ لا يغادرُ صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحْصاها وَوَجَدوا ما عمِلوا حاضراً ولا يظلمُ ربُّكَ أحَداً).
تبوء المحاولات بالفشل: الله تعالى عنده حسن المآب لمن آمن وجاهد وعمل صالحاً ولكن المحاولات في الدفاع عن النفس والمجادلة عنها تبوء بالفشل لمن ظلم نفسه واستكبر عن التصديق بآيات الله ولم يعمل بها، قال تعالى في سورة الانفطار 5: (علمَتْ نفسٌ ما قدَّمَتْ وأخَّرَتْ)، فكن محامياً بالعدل مع نفسك قدر المستطاع فهي التي ستشهد عليك يوم القيامة وهي التي تقف بين جنبيك يومها إن كنت قد ظلمتها تقول لك لمَ لمْ تصنّي ولماذا لمْ تجادل عني يوم ما كان ينفعك حاضراً في الدنيا أمام عينيك، قال تعالى في سورة الأنعام 130: (يا معشرَ الجنِّ والإنسِ ألمْ يأتكُمْ رسلٌ منكمْ يقصُّونَ عليكمْ آياتي وينذِرونكُمْ لقاءَ يومكُمْ هذا قالوا شهدْنا على أنفسِنَا وغرَّتهُمْ الحياةُ الدُّنيا وشهِدوا على أنفسِهِمْ أنَّهمْ كانوا كافرين)، وهي النفس أيضاً التي تقول يومها طوبى لك اليوم حسن الخاتمة وفضل المآب فقد زرعتَ في ّ الخير وحب الناس وحبَّ الله ورسوله واتبعت الهدي الذي أنزله الله على رسله، وهنا على الإنسان ألا ييأس من رحمة الله وعفوه وكرمه ومن يغفر الذنوب إلا الله، قال تعالى في سورة النساء 110: (ومَنْ يعْملْ سوءاً أوْ يظلمْ نفسَهُ ثمَّ يستغفرِ اللهَ يجدِ اللهَ غفوراً رحيماَ). وقال تعالى ذو الفضل العظيم مبشِّراً المؤمنين العاملين في سورة السجدة 17: (فلا تعلمُ نفسٌ ما أُخْفِيَ لهمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جزاءً بما كانوا يَعْمَلون).

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا من صانعي النفوس الطيبة الكريمة على نفسها وعلى عباد الله، وأن نعمل صالحاً من أجل سعادة النفوس في الدنيا والآخرة، اللهم هب لنا فضلاً نزكـّي به أنفسنا، وأعنا اللهم على هوى أنفسنا وجنّبنا مزالق السوء ومواطن الآثام، وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.