تخاصم أهل النار

PDFطباعةإرسال إلى صديق

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

هكذا هو ديدن أهل النار اللوم والخصام، وهكذا هي حياتهم السرمدية لا يرتاحون فيقبلون فرحين، ولا يهدؤون فيسرحون دون قيود، والجناة يتخاصمون، وأصحاب النوايا السيئة يتلاومون، وأصحاب القلوب المريضة يتجادلون، وقد جعل الله تخاصم أهل النار حقيقة واقعة حين قال في سورة ص: (إنَّ ذلكَ لحقٌّ تخاصُمُ أهلِ النَّار)، وهذه هي القصة كاملة في هذه السورة:

هَذَا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ (56) هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (57) وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (58) هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ (59) قَالُوا بَلْ أَنتُمْ لا مَرْحَبًا بِكُمْ أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ (60) قَالُوا رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ (61) وَقَالُوا مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ الأَشْرَارِ (62) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصَارُ (63) إنَّ ذلكَ لحَقٌّ تَخاصُمُ أهلِ النَّار(64).

وكذلك في سورة الصافات فالغاوون ومن أغواهم في العذاب سواء:
 
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (27) قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ (28) قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (29) وما كانَ لنا عليكُمْ مِنْ سلطانٍ بلْ كنتمْ قوماً طاغين (30) فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (31) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32) فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (33).

وهذه هي الحقيقة التي يغفل عنها من كان في أذنيه وقراً، ولمّا لم يكن الخصام في السراء فهو في الضراء، وسبيل المجرمين تبادل الاتهامات حتى إذا جاءت ألسنة اللهب تلتف حولهم في جهنم طلب المجرمون من الله عز وجل العذاب الشديد لمن يدَّعون أنهم أضلوهم في نار، يسألون الله عذابهم في جهنم ضعفين على ما اقترفت أيديهم من الغواية، والله تعالى يؤاخذ الفريقين على الضلالة والعمي فلا عذر اليوم فقد انتهى وقت العمل وقد سبق القول من الله ليملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين.
الأعراف 38: (قالَ ادْخُلوا في أُمَمٍ قدْ خلتْ منْ قبلكمْ مِنَ الجنِّ والإنسِ في النار كلَّما دخلتْ أمَّةٌ لعنتْ أختها حتى إذا ادَّارَكوا فيها جميعاً قالتْ أُخْراهم لأولاهُمْ ربَّنا هؤلاءِ أضلُّونا فآتهِمْ عذاباً ضعفاً من النار قال لكلٍّ ضِعْفٌ ولكنْ لا تعلمون).
ص 61: (قالوا ربَّنا مَنْ قدَّمَ لنا هذا فزِدْهُ عذاباً ضِعْفاً في النَّار).
الأحزاب 67 و 68: (وقالوا ربنا إنَّا أطعْنا سادتَنا وكبراءنا فأضلُّونا السبيلا، ربَّنا آتِهِمْ ضعفينِ منَ العذابِ والعنْهُمْ لعْناً كبيرا).
فصلت 29: (وقال الذين كفروا ربنا أرنا الَّذَيْنِ أضلَّانا من الجنِّ والإنس نجعلْهُما تحتَ أقدامنا ليكونا من الأسفلين).
الشعراء 96: (قالوا وهمْ فيها يخْتصِمون).
العنكبوت 12: (وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلَنا ولْنحملْ خطاياكُمْ وما هُمْ بحاملينَ مِنْ خطاياهم مِنْ شيءٍ إنَّهُمْ لكاذبون).
الفرقان 28 و 29: (يا ويلتى ليتني لمْ أتَّخِذْ فُلاناً خليلاً،  لقدْ أضلَّني عنِ الذِّكر بعدَ إذْ جاءني وكانَ الشيطانُ للإنسانِ خَذولا).
غافر 47: (وإذْ يتحاجُّون في النَّار فيقول الضعفاءُ للذين استكبروا إنَّا كنَّا لكم تبعاً فهل أنتم مُغنونَ عنَّا نصيباً مِنَ النَّار).
البقرة 166: (إذْ تبرَّأ الذين اتـُّبـِعوا من الذين اتَّبَعوا ورأوْا العذابَ وتقطَّعَتْ بهمُ الأسباب).
سبأ 31: (وقال الذين كفروا لنْ نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديْهِ ولوْ ترى إذِ الظَّالمونَ موقوفونَ عندَ ربِّهم يرجِعُ بعضهُمْ إلى بعضٍ القولَ يقولُ الذين استضْعِفوا للذينَ استكبَروا لولا أنتمْ لكـُنَّا مؤمنين).
الحج 19: (هذانِ خصْمانِ اختصَموا في ربِّهِمْ فالذين كفروا قُطِّعَتْ لهُمْ ثيابٌ مِنْ نارٍ يُصَبٌّ مِنْ فوقِ رؤوسهمُ الحميم).
ق 27 و 28 : (قال قرينُهُ ربَّنا ما أطغيتُهُ ولكنْ كانَ في ضلالٍ بعيدٍ، قالَ لا تخْتصموا لديَّ وقدْ قدَّمْتُ إليكمْ بالوعيد). ولطالما اتهم من طغى غيره بغوايته ولكن الله يقدم الوعيد وينزل الرسالات فلا عذر لمن اتبع هواه وطغى.

يس 49: (ما ينظرونَ إلا صيحةً واحدةً تأخذُهُمْ وهمْ يَخِصِّمُون)، يتخاصمون في الدنيا قبل الآخرة.

إنه الخصام الكبير والملامة العظيمة بين إبليس وأتباعه في نار جهنم وبئس المصير، جدال لا ينتهي ولوم ما بعده لوم، وماذا ينفع اللوم يوم لا ينفع النفس إلا إيمان قد آمنتْ وعمل قد عملتْ، ومع أن كيد الشيطان ضعيف واه كما وصفه الله تعالى فإن التابعين له كثر والمهللين له موجودون في كل زمان ولا ينجو في الآخرة إلا من آمن وحصَّن نفسه بالأذكار والتقرب إلى الله بالطاعات، وها هو إبليس في النهاية يتنصل من الغواية ويعلن أنه بريء ممن تبعه وهو يعلم أن للظالمين عذاب أليم ينتظرهم في يوم الوعيد:
الأنفال 48: (وإذْ زيَّنَ لهمُ الشيطانُ أعمالهُمْ وقال لا غالبَ لكمُ اليومَ منَ الناس وإني جارٌ لكمْ فلمَّا تراءَتِ الفئتانِ نَكصَ على عقبيهِ وقالَ إنّي بريءٌ منكمْ إنّي أرى ما لا ترَوْنَ إنّي أخافُ اللهَ والله شديدُ العقاب).
ابراهيم 22: (وقالَ الشيطانُ لمَّا قـُضيَ الأمرُ إنَّ الله وعدَكمْ وعْدَ الحقِّ ووعدتُّكُمْ فأخلفتكمْ وما كان لي عليكمْ منْ سلطانٍ إلا أنْ دعوتكُمْ فاستجبْـتمْ لي فلا تلوموني ولومُوا أنفسَكًمْ ما أنا بمُصْرِخِكُمْ وما أنتمْ بمُصْرِخِيَّ إنّي كفرتُ بما أشركتمونِ منْ قبلُ إنَّ الظالمينَ لهمْ عذابٌ أليم).
وما يقابله في الجنة فإن الله تعالى لم يجعل في الجنة خصاماً أبداً، وفي الحقيقة فإن أصحاب النوايا الطيبة يتحاورون في الدنيا ويتباهون في الآخرة لا ضغينة ولا حسد ولا غل ولا شحناء، والأمثلة في القرآن الكريم على ما في الجنة من نعيم بهذا الخصوص وفيرة وعديدة وقد أسهب الله في شرحها باساليب شتى وآيات كثيرة بشرى للمؤمنين البارين المخلصين، وهذه بعضاً منها:
إخواناً على سرر متقابلين: يدخلونها وينعمون فيها دون غل أو حسد أو شحناء، والتقابل يوحي بالاتفاق والانشراح فهو عكس التدابر حيث الشحناء والبغضاء واعتمال الصدور بالغل والضغينة:
الصافات 44: (على سُرُرٍ متقابلين). الدخان 53: (يلبسونَ مِنْ سندُسٍ واستبرقٍ متقابلين). الواقعة 16: (متكئين عليها متقابلين). الحجر 47: (ونزعنا ما في صدورهم مِنء غِلٍّ إخواناً على سُرُرٍ متقابلين). الأعراف 43: (ونزعنا ما في صدورهم من غِلٍّ تجري من تحتهم الأنهارُ وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنَّا لنهتديَ لولا أنْ هَدَانا اللهُ لقدْ جاءتْ رُسُلُ ربِّنا بالحقِّ ونُودُوا أنْ تِلكُمُ الجنةُ أورثتـُموها بما كنتمْ تعملون).
المطففين 24: (تـَعْرِفُ في وُجوههمْ نضْرَةَ النَّعيم).
الواقعة 25 و 26: (لا يَسْمعونَ فيها لغواً ولا تأثيماً ، إلا قيلاً سلاماً سلاما).
يس 58: (سلامٌ قولاً مِنْ رَبٍّ رَحيم).
الروم 15: (فأمَّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهمْ في روضةٍ يُحْبَرون).
وقد ذكر الله أيضاً أن أولياءه (لا خوفٌ عليهمْ ولا همْ يَحْزَنون) حيث وردت هذه العبارة 13 مرة في القرآن الكريم واصفة الذين آمنوا وعملوا الصالحات والمنفقين والمتقين وغيرها من صفات المؤمنين الموحدين من المسلمين الذين صدقوا الأنبياء واتبعوا رسالات الله عز وجل.

وفي يوم القيامة تزول كل العلاقات الدنيوية وتنتهي، والصداقات الحميمة تنقطع وتضمحل وتنقلب على أعقابها إلا ما كان مؤسَّـساً على محبة الله تعالى ومدعوماً بتقوى الله عز وجل، فقد قال تعالى في سورة الزخرف 67: (الأخِلاءُ يومئِذٍ بعضُهُمْ لبعضٍ عدوٌّ إلا المتـَّقين).

وصف الله تعالى الإنسان بالخصيم المبين في موضعين اثنين من القرآن الكريم، وقد جبل اله  الإنسان الذي خلقه على حب الخصام والعناد والجرأة على الخالق إلا من رحم الله وجعل في قلبه التقوى، ولم يقل الله أنه خلق الإنسان ليكون خصيماً مبيناً وإنما قال فإذا هو خصيم مبين فالله تعالى لم يجعله خصيماً قسراً وإنما أعطاه الخيار فاختار أن يكون خصيماً إلا من آمن وأسلم وجهه لبارئه، قال تعالى في سورة النحل 4: (خلقَ الإنسانَ من نطفةٍ فإذا هو خصيم مبين). وقال في سورة يس 77: (أوَلمْ يرَ الإنسان أنَّا خلقناه من نطفةٍ فإذا هو خصيمٌ مبين). ووصف الله الإنسان بأنه كفور مبين أيضاً عندما يدعو إلهاً من غير الله تعالى أو يشرك به شيئاً فقال تعالى في سورة الزخرف 15: (وجعلوا لَهُ مِنْ عبادِهِ جُزءاً إنَّ الإنسانَ لكفورٌ مبين)، وبهذا يكون الذي آمن بالله إنما يرجو رحمته ويخشى عذابه سائلاً إياه الجنة والبعد عن النار، حيث قال تعالى في سورة الطور 27: (فمنَّ الله علينا وَوَقَانا عذابَ السَّمُوم).

أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا الفردوس الأعلى من الجنة، وأن نعمل صالحاً بما يرضي الله عنا، اللهم هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، وأعنا اللهم على هوى أنفسنا وجنّبنا مراتع السوء والخصام، اللهم صلي على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.