وهزّي إليك

PDFطباعةإرسال إلى صديق

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

قال الله تعالى في سورة مريم: (وهزّي إليك بجذع النخلة تساقطْ عليكِ رُطباً جنيّا)، هناك نادى الله تعالى مريم عليها السلام بعد أن حملت بعيسى عليه السلام وعند المخاض فأوحى لها أن تهز لنحوها جذع النخلة حتى يتساقط الرطب الطري فتأكل منه ولو شاء الله لرزقها الرطب على طبق من الزمرد لتمد يدها وتتناوله دون عناء ودون تفكير ولكنها مشيئة الله وسنته في الخلق، وفي ذلك تأكيد على البشرية ووضع الأسباب والمسببات وجعل النواميس تمضي بسبب وجعل النتائج مرهونة بالعمل والمضي على الطريق الصحيح والسنن الموضوعة، فقال لها اعملي وابذلي جهدا ولو بسيطاً، وقد قال الله تعالى قبلها في سورة مريم: (كلَّما دخلَ عليها زكريّا المحرابَ وجدَ عندها رزقاً قال أنّى لك هذا قالتْ هوَ مِنْ عندِ الله..)، فهنا جاء الرزق من دون الجهد المذكور جهاراً في القصة، ومريم عليها السلام نذرت نفسها للعبادة في هذا المحراب فكافأها الله بالرزق أما في حالة المخاض فقد أمرها أن تهز الجذع وتأخذ بالأسباب الحسية ليرزقها الرطب الجني ويسهل عليها عملية المخاض وتقرّ عينها بما آتاها.

لهذا فإن الحث على العمل والأخذ بالاسباب من ثوابت الحياة الإنسانية التي وضعها الله في البشر وحث عليها في جميع الشرائع السماوية وحثتْ عليها جميع الثقافات والمبادئ التي وضعها البشر لأنفسهم أيضاً على مر العصور، وكما أن العمل والأخذ بالأسباب أمر دنيوي فهو أمر له علاقة وثيقة بأمر الآخرة أيضاً وفي النهاية هذا هو الأهم، ولنراجع هذه العبارة (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فقد وردت في القرآن الكريم حوالي خمسين مرة في هذا اللفظ، وهي بذلك تؤكد على أن العمل الصالح مقرون مع الإيمان لا يفارقه ولا يصلح في الآخرة من دونه فالحساب يكون على العمل المرفق بالنية والإيمان والإخلاص، وقد خلق الله سبحانه وتعالى الكون بسبب ولهذا فإن أخذ الأسباب من طبيعة الخلق وهو ما وضعه الله تعالى في الخلق والبشر كما أسلفنا، ووضع الله الزمان وجعله بوتقة تمضي بها الأمور والأشياء والبشر إلى آجالها وتختلط بها الأعمال إلى أن يمحصها الله ويدرجها في سجلات المخلوقات فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وفي إقران العمل الصالح مع الإيمان ندرج بعض الآيات من القرآن الكريم:

الكهف 30: (إنّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنّا لا نُضيعُ أجْرَ مَنْ أحسنَ عَمَلا). فكيف يضيع العمل المقرون بالإيمان والإخلاص!
الروم 15 : (فأمّا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يُحبرون). هو فضل الله على هؤلاء الذين عملوا بعد أن آمنوا به وبما أنزل على رسله.
فصّـلت 8 : (إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجرٌ غيرُ ممنون ).
البينة 7 : (إنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية).

وفي إقران الإيمان والعمل الصالح أيضاً فإن القرآن الكريم يؤكد مراراً على صلاحية هذه القضية وأن النية والقصد والعقيدة أساس من أسس الحساب في الدار الباقية لجميع البشر، ثم العمل وفيه العبادات، عبادات القلب وعبادات الجوارح، عبادات القلب النية والإخلاص والإيمان والتعبد والتفكر، وعبادات الجوارح هي العبادات العملية الحسية وتحتاج إلى عمل وحركة وصرف طاقة كالصلاة والطواف والسعي في الحج وغيرها من العبادات والنسك والأعمال الصالحة، وكلها أعمال يحصيها الله للعبد من ذكر أو أنثى، وهكذا قرن الله تعالى العمل الصالح والإيمان دون تفريق:

النساء 124 : (ومَنْ يعملْ مِنَ الصالحات منْ ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فأولئك يدخلون الجنَّة ولا يُظلمون نقيرا).
النحل 97 : ( مَنْ عَمِلَ صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينَّه حياة طيبةً ولنجزينَّهمْ أجرَهُمْ بأحسنِ ما كانوا يعملون).
غافر 40 : (منْ عمِلَ سيئةً فلا يُجزى إلا مثلها ومنْ عمِلَ صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمنٌ فأولئك يدخلونَ الجنة يُرزقون فيها بغير حساب).
الفرقان 70: (إلا منْ تابَ وآمنَ وعمِلَ عملاً صالحاً فأولئكَ يبدِّلُ الله سيئاتِهم حسناتٍ وكانَ اللهُ غفوراً رحيما).
التوبة 94: (.... وسيرَى اللهُ عملَكُمْ ورسولُهُ ثمَّ تُرَدُّونَ إلى عالمِ الغيبِ والشهادة فينبئكُمْ بما كنتم تعملون).
التوبة 105: (وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملكم ورسولُهُ والمؤمنون وستُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكُمْ بما كنتم تعملون).
فاطر 10: (من كان يريد العزَّة فللَّهِ العزةُ جميعاً إليهِ يصعدُ الكَلِمُ الطيِّبُ والعملُ الصالحُ يرفَعُهُ والذين يمكرونَ السيئاتِ لهم عذابٌ شديدٌ ومكرُ أولئك هوَ يبور).
البقرة 62: (إنَّ الذين آمنوا والذين هادوا والنَّصارى والصابئين مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخرِ وعمِلَ صالحاً فلهمْ أجرُهُمْ عند ربِّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هُمْ يحزنون).

والسعي من سنة الله في خلقه وقد قال تعالى في سورة الأنبياء 94: (فمنْ يعملْ منَ الصالحات وهوَ مؤمنٌ فلا كفران لسعيهِ وإنَّا لهُ كاتبون)، وفي سورة الإسراء 19: (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا)، وقال تعالى في سورة الانشقاق 6: (يا أيها الإنسان إنّكَ كادحٌ إلى ربِّكَ كدحاً فمُلاقيه)، وهاهي سورة النجم 40: (وأنّ سعـيَهُ سوفَ يُرى)، وكذلك سورة الغاشية 9: (لسعيها راضية). كل هذا يدل على أن السعي هو الوسيلة الوحيدة والمثلى لتحقيق ما يصبو إليه الإنسان وإنجاز ما يريده فيما يأتي، وبذل الجهد فيه شيء حسي وفيه شيء معنوي أحياناً  وخصوصاً عند الله تعالى فهو الذي ييسر النتائج ويفتح الأبواب بعمل بسيط أحياناً وقد يعمل الإنسان باتجاه معين فييسِّر الله النتائج في مجال آخر أفضل وأحسن، والعبرة هنا في الحركة والسعي والعمل ناهيك عن النية والقصد.

وذكر الله الغفور الرحيم أنَّ للعاملين أجر وفير ومضاعف وقد أنعم الله عليهم فالحسنة بعشر أمثالها وبعض العبادات يجزي بها الله عباده ما يشاء والله واسع عليم:

النساء 110 : ( وَمَنْ يعملْ سوءاً أوْ يظلمْ نفسَهُ ثمَّ يستغفر اللهَ يجد اللهَ غفوراً رحيما).
آل عمران 136: (أولئك جزاؤهم مغفرةٌ مِنْ ربِّهمْ وجناتٌ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونِعْمَ أجرُ العاملين).
العنكبوت 58 : (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوِّئَنَّهُمْ مِنَ الجنَّةِ غُرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نِعْمَ أجْرُ العاملين).
الزمر 74: (وقالوا الحمد لله الذي صَدَقَنا وعدَهُ وأورثَنا الأرضَ نتبوَّأُ مِنض الجنَّةِ حيثُ نشاءُ فنِعْمَ أجْرُ العاملين).

الحركة تصنع الزمان، فكما أنه لا مكان بغير مادة لا زمان بغير حركة، فحركة المجرات والنجوم والكواكب والتوابع تصنع الزمان وتدل عليه وكلها من مخلوقات الله عز وجل، وقد نسأل أنفسنا إن كنا نحن من نصنع زماننا أم هو من يصنعنا! نبدأ بأول الخلق، الكون والبشر، فعل وردة فعل وإيجاد من العدم ثم النواميس لإيجاد الأشياء بسبب، فلسفة ظاهرة وباطنة وأمر يتحدى العقول ويتعداها من ناحية ويبجِّلها ويحترمها من ناحية أخرى، والعمل يحتاج إلى الوقت فهو المعين الذي يستقي منه الإنسان المادة للعمل فلا عمل من دون زمان وإلا فكيف يتم الحسبان، ولا وقت دون وجود فالوجود أساس الوقت والوقت أساس العمل، فمن يصنع الآخر! هي مسببات وإيجاد فكما أن الله خلق وأوجد الكون والزمن فإن الإنسان يوجد العمل بنيته وإرادته وحركته ولكن تحت مظلة الرحمن الرحيم شديد العقاب.

مبدأ العمل والأخذ بالأسباب لا مساومة عليه: تلك هي مبادئ قرآنية وهي مبادئ إنسانية لأن الخلق كلهم عيال الله هو خالقهم وخالق الكون بمن فيه وبما فيه، حتى أن الله عز وجل وضع الأسباب والمسببات للكون وقوانينه ونواميسه وهو القادر على كل شيء وهو الذي يقول للشيء كن فيكون، وتأكيداً على المبدأ هذا حديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: عن أنس رضي الله عنه قال: ( قال رجل: يا رسول اللّه، أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: إعقلها وتوكل) رواه الترمذي في سننه. فالعمل مبدأ لا بد منه والأخذ بالأسباب واجب، ولا يتنافى هذا مع التوكل الذي أمرنا الله به حيث قال تعالى في سورة الطلاق 3: (ومَنْ يتَوَكَّلْ على اللهِ فهوَ حَسْبُه)، فالتوكل على الله مطلوب قبل العمل وخلاله وبعده، والآيات في وجوب أو طلب التوكل على الله عديدة.

هناك أمثلة وفيرة عند الشعوب تتعاطى مع هذا المعنى في الحث على العمل والأخذ بالأسباب فمن هذه الأمثال مثل ياباني يقول: (ما من نبتة تحمل الأرز مطبوخا)، ومثل مصري يقول: (ازرع كل يوم تأكل كل يوم)، وهذا مثل شعبي: (في الحركة بركة)، وهنا مثل هولندي: (الله يهب الطيور رزقها ولكن لا بد أن تبحث عنه)، وهذا مثل شعبي تراه يقارع المعنى نفسه عند العديد من الشعوب: (لكي تأكل الجوزة لابد أن تكسرها). فالعبرة المستفادة هي الأخذ بالأسباب والتوكل على الله أثناء العمل والحرص على التوكل عليه قبله وبعده.

أسأل الله العظيم السداد في السريرة والصواب في القول والعمل بالكتاب الحكيم وحسن الخاتمة، اللهم اجعلنا ممن يعرفون الكتاب حق المعرفة ويعملون به للارتقاء بالنفس في الدنيا والآخرة، ولا تجعلنا من الذين ظلموا أنفسهم وخسروا أعمالهم فزلّوا وخسروا وخابوا، اللهم صلي على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.