وما آمن معه إلا قليل

PDFطباعةإرسال إلى صديق

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

إنها سنة الله في الأرض، خلقها وخلق فيها نفساً واحدة وخلق من هذه النفس زوجها ثم بث من هذه النفس وزوجها رجالاً كثيراً ونساء، وخلق الأهواء والفطرة والنزعات والرغبات، وأرسل الرسل والأنبياء هدى ورحمة وأنزل الشرائع للدلالة على الحق وعلى الصراط السوي، ثم أتى بالترغيب والترهيب، بالوعد والوعيد، وكتب على نفسه الرحمة ولكنه ذو عذاب شديد لمن عصى واتبع هواه وكان أمره فرطاً، فقد ذكر الله تعالى أنه سيملأ نار جهنم من الجـِنَّة والناس أجمعين في موضعين اثنين من القرآن الكريم وأكد على هذا استباق هذا الأمر بعبارة (تمَّتْ كلمة ربِّك) وبعبارة (حقَّ القولُ منِّي) وهاتان العبارتان كأنهما قسمان كبيران من الله عز وجل وتأكيد واضح وبيّن على وقوعه ودلالة على عظم هذا الأمر وجديته:
قال تعالى في سورة هود الآية 119 :  (إلا مَنْ رحمَ ربـُّك ولذلك خلقهمْ وتمّتْ كلمة ربكَ لأملأنَّ جهنمَ منَ الجنّة والناس أجمعين). وقال في سورة السجدة الآية 13 : (ولو شئنا لآتينا كلَّ نفسٍ هداها ولكنْ حقَّ القول منّي لأملأنَّ جهنم من الجنّةِ والناس أجمعين). وفي سياق مماثل قال تعالى في سورة الأعراف الآية 179 : (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجنِّ والإنس لهمْ قلوبٌ لا يفقهونَ بها ولهمْ أعينٌ لا يُبصرون بها ولهم آذانٌ لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بلْ همْ أضلّ أولئك هم الغافلون). وقال تعالى أيضاً في سورة ق الآية 30: (يومَ نقولُ لجهنَّمَ هل امتلأتِ وتقولُ هلْ منْ مَزيْد).وقد أعلن إبليس خطته الخبيثة على الملأ عندما طرده الله سبحانه وتعالى من رحمته كما ورد في سورة الإسراء الآية 62: (قالَ أرأيتكَ هذا الذي كرَّمْتَ عليَّ لئنْ أخـَّرْتنِ إلى يوم القيامة لأحتـَنكَنَّ ذرِّيتهُ إلا قليلا). وقد قال الله تعالى مخاطباً إبليس الملعون في سورة ص الآية 85: (لأملانَّ جهنـّم منكَ وممّنْ تبِعكَ منهمْ أجمعين).
وفي قصة نوح عليه السلام العبرة الكبيرة والفائدة العظيمة دعماً لهذه الفكرة حين دعا رسول الله نوح قومه ليلاً ونهاراً ودلهم على طريق الحق سنين طوالاً فمكروا واستكبروا وعتوا عتواً كبيراً، وما آمن معه في آخر المطاف إلا قليل من قومه، فقد قال تعالى في سورة هود الآية 40 : (حتَّى إذا جاءَ أمرُنا وفار التنور قلنا احْملْ فيها من كلٍّ زوجينِ اثنين وأهلكَ إلا من سبق عليه القولُ ومنْ آمنَ وما آمنَ معهُ إلا قليل). وهذا الأمر في نهاية الآية الكريمة هو ما يهم موضوعنا في معرفة حكمة الله عز وجل في الخلق وشؤونه.
كثير منهم فاسقون: هذه دلالة على كثرة الخبيث في البشر كما ذكر الله مراراً وتكراراً في القرآن الكريم، ولو أعجب الإنسانُ كثرةَ الخبيثِ فإنَّ الطيب أطيب وأفضل مهما قلَّ وقلَّ أتباعه، وفي ذكر الله للخبيث أنه الأكثر والأعم دليل على أنَّ الإعراض عن سبيل الله وعدم التصديق برسالاته وكتبه جميعاً هي من سمات أغلب البشر ممن خلق الله عز وجل، فمرّة يذكر الله كثيراً منهم ومرة يذكر أكثرهم وغيرهما مما يدل على هذا المعنى تصريحاً أو تضميناً.
الأعراف 102: (وما وجدنا لأكثرِهِمْ مِنْ عهدٍ وإنْ وجدْنا أكثرَهُمْ لفاسقين).
المائدة 32 : (منْ أجل ذلكَ كتبنا على بني إسرائيل أنَّهُ منْ قتل نفساً بغير نفس أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنّما أحيا الناس جميعاً ولقد جاءتهم رسلنا بالبيِّناتِ ثمَّ إنَّ كثيراً منهمْ بعدَ ذلك في الأرضِ لَمُسرفون).
المائدة 49 : (وأنِ احكمْ بينهم بما أنزلَ الله ولا تتَّبعْ أهواءَهمْ واحْذرْهُمْ أنْ يفتنوك عَنْ بعض ما أنزَل الله إليك فإنْ تولَّوا فاعلمْ أنّما يريد الله أنْ يُصيبَهم ببعض ذنوبهم وإنَّ كثيراً من الناس لفاسقون).
المائدة 81 : (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزِل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكنْ كثيراً منهم فاسقون).
آل عمران 110: (كنتمْ خير أمَّةٍ أخرِجتْ للناس تأمرون بالمعروف وتنهَوْنَ عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمنَ أهلُ الكتاب لكان خيراً لهمْ منهمْ المؤمنون وأكثرهم الفاسقون).

التوبة 8 : (كيف وإنْ يظهروا عليكم لا يرقُبوا فيكم إلاً ولا ذمَّة يرضُونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون).
الروم 8 : (أولمْ يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماواتِ والأرضَ وما بينهما الا بالحقِّ وأجل مسمّى وأنّ كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون).
الحديد 16 : (ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشعَ قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتابَ مِنْ قبل فطالَ عليهم الأمدُ فقستْ قلوبهمْ وكثيرٌ منهم فاسقون).
الحديد 26  و 27 : (ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيمَ وجعلنا في ذريَّتهما النبوة والكتابَ فمنهم مهتدٍ وكثيرٌ منهم فاسقون ، ثمَّ قفَّـينا على آثارهم برسُلِنا وقفـَّينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمةً ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم الا ابتغاءَ رضوان الله فما رَعَوْها حقَّ رعايتها فآتينا الذين أمنوا منهم أجرهم وكثيرٌ منهم فاسقون).

أكثرهم لا يعلمون: وقرن الله تعالى الإيمان بالعلم، فكيف يؤمن من لا يعلم! وكيف يؤمن من لا يعي أن الله هو خالق الكون والبشر! وقد وصف الله تعالى أكثر الناس بأنهم لا يعلمون أو أنهم يجهلون الحق فهم لا يؤمنون من بعد أن أرسل اللهُ الرسلَ وأنزل عليهم الكتاب والشرائع والدليل آيات بيِّنات.

البقرة 100 : (أوَكلَّما عاهدوا عهداً نبذهُ فريقٌ منهمْ بلْ أكثرهم لا يؤمنون).
الأنعام 37 : (وقالوا لولا نزِّل عليه أية منْ ربِّهِ قلْ إنَّ الله قادر على أنْ ينزِّل آية ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون).
الأنعام 111 : (ولو أننا نزَّلنا إليهم الملائكة وكلَّمهم الموتى وحشرنا عليهم كلَّ شيء قِبَلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أنْ يشاء الله ولكنَّ أكثرهم يجهلون).
الأعراف 131: (فإذا جاءتهم الحسنةُ قالوا لنا هذه وإنْ تـُصِبْهُمْ سيئة يطَّيروا بموسى ومَنْ معه ألا إنَّما طائرهم عند الله ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون).
الأنفال 34 : (وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدُّون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إنْ أولياؤه إلا المتقون ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون).
يونس 55 : (ألا إنَّ للهِ ما في السماواتِ والأرضِ ألا إنَّ وعدَ الله حقٌّ ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون).
النحل  75 : (ضرب الله مثلاً عبْداً مملوكاً لا يقدرُ على شيءٍ ومَنْ رزقناه منَّا رزقاً حسناً فهو ينفقُ منه سرّاً وجهراً هل يستوونَ الحمد لله بل أكثرهمْ لا يعلمون).
النحل 101 : (وإذا بدَّلنا آيةً مكان آيةٍ والله أعلم بما ينزِّلُ قالوا إنَّما أنتَ مفـْـتـَرٍ بلْ أكثرهمْ لا يعلمون).
الأنبياء 24: (أم اتخَذوا مِنْ دونِهِ آلهةً قلْ هاتوا برهانَكم هذا ذكرُ مَنْ معي وذكرُ مَنْ قبلي بلْ أكثرهمْ لا يعلمون الحقَّ فهمْ معرضون).
المؤمنون  70 : (أم يقولون به جِنَّةٌ بلْ جاءهمْ بالحقِّ وأكثرهمْ للحقِّ كارهون).
الفرقان 44: (أمْ تحسبُ أنَّ أكثرهَمْ يسمعونَ أو يعقلون إنْ هُمْ إلا كالانعامِ بلْ هُمْ أضلُّ سبيلا).
النمل 61 : (أمَّنْ جعلَ الأرضَ قراراً وجعلَ خلالها أنهاراً وجعلَ لها رواسيَ وجعلَ بينَ البحرينِ حاجزاً أإله مع الله بل أكثرهمْ لا يعلمون).
القصص 13: (فردَدْناه إلى أمِّهِ كيْ تقرَّ عينَها ولا تحزنْ ولتعلمَ أنَّ وعْدَ اللهِ حقٌّ ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون).
يس 62: (ولقدْ أضلَّ منكم جِبِلّاً كثيراً أفلَمْ تكونوا تعقلون).
القصص 57 : (وقالوا إنْ نتبع الهدى معك نتخطَّفْ مِنْ أرضِنا أوَلمْ نمكِّنْ لهم حرَماً آمِناً يُجْبى إليه ثمرات كلِّ شيءٍ رزقاً مِنْ لدنّا ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون).
العنكبوت 63 : (ولئنْ سألتهم مَنْ نزَّلَ مِنَ السماء ماءً فأحيا به الأرضَ مِنْ بعدِ موتها لَيقولنَّ الله قلِ الحمدُ لله بلْ أكثرهم لا يعقلون).
لقمان 25 : (ولئنْ سألتهُمْ مَنْ خَلقَ السماواتِ والأرضَ لَيقولنَّ الله قل الحمد لله بلْ أكثرهم لا يعلمون).
الزمر 29 : (ضَرَبَ اللهُ مثلاً رجلاً فيهِ شركاءُ متشاكسونَ ورجلاً سلَمَاً لرجلٍ هلْ يستويانِ مثلاً الحمد لله بل أكثرهمْ لا يعلمون).
الزمر 49:  (فإذا مسَّ الإنسانَ ضرٌّ دعانا ثم إذا خوَّلناه نعمةً منَّا قالَ إنما أوتيتُهُ على علْمٍ بلْ هي فتنةٌ ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون).
فصلت 4:  (بشيراً ونذيراً فأعرضَ أكثرُهُمْ فهم لا يسمعون).
الدخان 39: (ما خلقناهما إلا بالحقِّ ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون).

وعندما لا يعلم أكثر الناس الحق ويجهلون حقيقة الخلق أو يستكبرون عن عبادة الله فهم  الكافرون أو المشركون فلا يؤمنون:
يوسف  106 : (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهمْ مشركون).
النحل  83 : (يعرفون نعمتَ الله ثم يُنكِرونها وأكثرهم الكافرون).
الروم 42: (قلْ سيروا في الأرض فانْظروا كيفَ كانَ عاقبةُ الذين منْ قبلُ كانَ اكثرهُمْ مشركين).
سبأ 41: (قالوا سبحانكَ أنتَ وليُّـنا مِنْ دونهم بلْ كانوا يعبدون الجِنَّ أكثرهمْ بهمْ مؤمنون).
يس 7 : (لقد حقَّ القولُ على أكثرهم فهم لا يؤمنون).

وفي قضية إحلال العذاب على الكافرين بالشرائع الإلهية وعلى المكذبين للرسل وللوحي من عند الله لنراجع سورة الشعراء، فقد وردت هذه الآية ثماني مرات في سورة الشعراء: (إنَّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين). فالعذاب في الحياة الدنيا آية من آيات الله العزيز الحكيم ليجعل الذين استكبروا في الأرض وكذبوا رسل الله وأنبيائه عبرة لمن يريد أن يعتبر من البشر، وهنا دلالة واضحة على تفشي الكفر في الغالبية من الناس عند إرسال الرسل وأن المؤمنين هم أقلية، وسورة الشعراء مكية وفيها آنذاك تثبيت للرسول عليه الصلاة والسلام والمسلمين معه، ففي بداية السورة نرى هذه الآية التي يخاطب بها لله عزَّ وجلَّ رسوله الكريم: (لعلّك باخعٌ نفسك ألا يكونوا مؤمنين)، فلا تحزن يا محمد إن كذبك قومك فهكذا دأب البشر وهذه هي قصص الأنبياء من قبلك كذبتهم أقوامهم فلا تجزع ولا تفتر عزيمتك ولا تنزاح هممك العالية، ثم توالت قصص الأنبياء مع أقوامهم وبعد كل قصة تأتي الآية خاتمة للقصة: (إنَّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين)، وهذا بعد إحلال العذاب على الكفار في قصة موسى وإبراهيم ونوح وصالح ولوط وشعيب عليهم السلام وفي قصة قوم عاد أيضاً، وفي كل مرة وردت هذه الآية أتبعها الله عز وجل بالآية: (وإنَّ ربَّكَ لهو العزيز الرحيم)، فهو العزيز الذي يرسل العذاب على من كذَّب واستكبر وعصى ويرسل الرحمة على من آمن وصدَّق ثم اهتدى.

وكذلك دأب البشرية على هذه الأرض فقد كان الأكثرية من البشر عصاة، وقد ذكر الله بعلمه الكاشف أن القليل هم المؤمنون والكثير هم الفاسقون أو الكافرون أو المشركون، فبعد أن أوردنا الآيات الدالة على الكثرة الظالمة نورد الآيات الدالة على أنَّ القلة هم المؤمنون بالله العاملون بأوامره سبحانه:
البقرة 83: (وإذْ أخذنا ميثاق بني إسرائيلَ لا تعبدونَ إلا الله وبالوالدين إحساناً وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حُسْـناً وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم تولَّيتم إلا قليلاً منكم وأنتم معرضون).
البقرة 246 : (ألمْ ترَ إلى الملإ منْ بني إسرائيل مِنْ بعد موسى إذ قالوا لنبيٍّ لهم ابعث لنا ملِكاً نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إنْ كُتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرِجنا من ديارنا وأبنائِنا فلمّا كُتب عليهم القتالُ تولّوا إلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين).
البقرة 249 : (فلمّا فصلَ طالوتُ بالجنود قال إنَّ الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم ...).
النساء 46: (مِنَ الذين هادوا يحرفَّون الكلِمَ عنْ مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليَّاً بألسنتهم وطعناً في الدين ولو أنَّهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيراً لهم وأقوم ولكنْ لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا).
النساء 66: (ولو أنّا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلٌ منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشدّ تثبيتا).
النساء 155: (فبما نقضهمْ ميثاقهم وكفرهم بآياتِ الله وقتلهم الأنبياء بغير حقًّ وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا).
هود 116: (فلولا كانَ منَ القرونِ مِنْ قبلكمْ أولوا بقيةِ يَنْهَوْنَ عنِ الفسادِ في الأرضِ إلا قليلاً ممنْ أنجينا منهم واتـَّبَعَ الذين ظلموا ما أترِفوا فيه وكانوا مجرمين).
في شكر الله عز وجل وذكره من قبل بني آدم وهو الذي جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة: الشاكرون الله قلائل والذاكرون الله قلائل وكما أنَّ الله ذكر بأنَّ المؤمنين هم القلة فإنَّ هؤلاء الشاكرين الذاكرين قلة أيضاً. وقد دلَّ الله في القرآن على هذه المعاني مرات بذكر الأكثرية الضالة والفاسقة والظالمة ومرات بذكر الأقلية المؤمنة الذاكرة الشاكرة وذلك للمقارنة وتثبيت المعنى وتأكيد سنة الله في خلقه دون شك أو ريب.
الأعراف 3 : (إتـَّبـِعوا ما أنزِل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تـَذكّرون).
المؤمنون 87 : (وهو الذي أنشأ لكم السمعَ والأبصارَ والأفئدة قليلاً ما تشكُرون).
السجدة 9 : (ثمَّ سوَّاهُ ونفخَ فيهِ مِنْ روحِهِ وجعلَ لكم السمع والأبصارَ والأفئدة قليلاً ما تشكرون).
الملك 23  : (قل هو الذي أنشأكمْ وجعلَ لكم السمعَ والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون).
النمل  73 : (وإنَّ ربَّك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون).
الأعراف 17: (ثمَّ لآتينَّهمْ منْ بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيْمانهم وعنْ شمائِلِهِمْ ولا تجد أكثرَهُمْ شاكرين).
يونس 60: (وما ظنُّ الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة أنَّ الله لذو فضلٍ على الناس ولكنَّ أكثرهم لا يشكرون).
النمل 62: (أمـَّنْ يُجيبُ المضطر إذا دعاه ويكشف السوءَ ويجعلكم خلفاءَ الأرض أإلهٌ مع الله قليلاً ما تذكـَّرون).
سبأ 13: (يعملونَ لهُ ما يشاءُ منْ محاريبَ وتماثيلَ وجِفانٍ كالجوابِ وقدورٍ راسياتٍ إعْملوا آلَ داوودَ شكراً وقليلٌ منْ عباديَ الشكور).
ص 24: (قال لقد ظلمكَ بسؤالِ نعجتكَ إلى نعاجهِ وإنَّ كثيراً من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليلٌ ما همْ وظنَّ داوودُ أنّما فـتـنـّاه فاستغفر ربه وخرَّ راكعاً وأناب).
غافر 58: (وما يستوي الأعمى والبصير والذينَ آمنوا وعملوا الصالحاتِ ولا المسيءُ قليلاً ما تـَتَذكَّرون).
الحاقة 41 و 42 : (وما هوَ بقولِ شاعرٍ قليلاً ما تؤمنون ، ولا بقولِ كاهنٍ قليلاً ما تذكّرون).

وفي تكذيب الرسل فقد أرسل الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين فتكبَّر  الناس عن عبادته إلا قليل منهم، وذكر الله في مواضع عديدة من القرآن الكريم كيف كذبت الأقوام الرسل فحق عليها عذابه، وأمر الله نافذ لا محالة ولكنه يمهل ويملي للكافرين حتى إذا جاء وعده فلا يُرَدُّ بأسه عن القوم الظالمين. قال تعالى في سورة ق 14 : (وأصحاب الأيكة وقوم تبّع كلٌّ كذّب الرسل فحقّ وعيد). وقال تعالى في قوم نوح عليه السلام في سورة الاعراف 64 : (فكذبوهُ فأنجيناهُ والذين معهُ في الفلكِ وأغرقنا الذين كذَّبوا بآياتنا إنّهم كانوا قوماً عمين). وقال أيضاً في سورة يونس 73: (فكذبوه فنجَّيناه ومنْ معه في الفلك وجعلناهمْ خلائفَ وأغرَقْنا الذين كذبوا بآياتنا فانظرْ كيف كانْ عاقبة المنذَرين). فالذين كذَّبوا نوحاً عليه السلام هم الغالبية من البشر من بني قومه لهذا يجب الاستدلال على هذا بالآية 40 من سورة هود حين قال الله تعالى واصفاً نبيه نوحاً عليه السلام: (.. وما آمن معه إلا قليل). وفي تكذيب الرسل ذكر الله تعالى أيضاً:
النحل 113: (ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون).
الشعراء 139: (فكذَّبوه فأهلكناهمْ إنَّ في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين).
العنكبوت 37: (فكذبوه فأخذتهم الرَّجفة فأصبحوا في دارهمْ جاثمين).
الشمس 14: (فكذبوه فعقروها فدمْدَمَ عليهم ربُّهم بذنبهمْ فسوَّاها).

من كثرة الخبيث وظلم الناس لأنفسهم ظهر الفساد على هذه الأرض من البر والبحر، فما مصير المكذبين من الخيبة والعذاب وما مصير القلة القليلة ممّن صدَّق وآمن وعمل صالحاً !
هود 116 : (فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقيَّة ينهَوْن عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممَّنْ أنجينا منهم واتبَّعَ الذين ظلموا ما أترِفوا فيه وكانوا مجرمين).
الروم 41 : (ظهر الفساد في البرِّ والبحرِ بما كسبتْ أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلَّهمْ يَرْجـِعون).

اللهم لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، اللهم سدد خطانا على الدرب السوي والصراط المستقيم، واجعلنا من القليل المؤمنين الذين ذكرتهم في كتابك الكريم، واجعلنا من الذاكرين لك الشاكرين لفضلك الحامدين لنعمائك، اللهم صلي على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمدلله رب العالمين.