وَوَضَعَ الميزان

PDFطباعةإرسال إلى صديق

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين وعنا معهم يا رب العالمين، أما بعد:    نعم إنه الميزان هذا الشيء العظيم والفكرة الرهيبة التي تحار منها الألباب ولا تستوعبها المدارك بكل أبعادها ولا العقول بكل معانيها، وللدخول في هذا الموضوع نتحدث في لمحات قصيرة عن عظمة الله عز وجل الواسع الكريم والتي لا نستطيع ولن نستطيع أن نوفيها حقها مهما قدمنا من معلومات وشرحنا بإسهاب، ثم نتكلم عن الميزان وما ورد في القرآن الكريم عن فكرة الميزان وكلمة الميزان وما تتجلى به الأفكار حول هذا الموضوع وبعض تطبيقاته ودلالاته وأبعاده.


تعظيم الله عز وجل
إنه الله واضع الميزان ومبدع الكون الكبير، إنه الله الحليم العليم، قال الله تعالى (الشورى): (... ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)، الله رب الأرباب ومليك كل شيء ورب العرش العظيم، قال تعالى (النحل): (... ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم)، وقال (الروم): (... وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)، وقال (الزمر): (وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون)، ولهم وحده الأسماء الحسنى والصفات العلى وله يسجد من في السموات والأرض طوعا أو كرهاً وهو الذي يصورنا في الأرحام كيف يشاء سبحانه المصور الكريم الرحيم، والله لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وهو الحي الذي لا يموت وهو القيوم الذي خضعت لسلطانه السموات والأرض ومن فيهن وخضعت بذلك لسلطانه الأحياء والأموات والشجر والدواب وجميع المخلوقات من جن وإنس وملائلكة وجماد، وهو الله ربنا ورب كل شيء ومليكه رب العرش الكريم وهو الحنان المنان ذو الجلال والإكرام، والله هو الخالق العظيم وهو الحكيم الخبير وهو العزيز ذو القوة المتين، لا يطلع على أمره أحدا إلا من ارتضى من عباده، ومهما عظّم الإنسان الله عز وجل فلا يصل إلى مراده ولا يبلغ المنتهى فالله أعظم من أن تبلغه العقول وأن تفقهه المدارك وإنما هي مخلوقاته وآثاره التي نرى ونعظم وآياته التي قد ندرك فنؤمن ونصدق،  إنه الرحمن الذي عز جاهه وتعالى سلطانه وهو الذي أسبغ نعمه ظاهرة وباطنة على عباده من الإنس والجن وعلى جميع مخلوقاته في الكون الفسيح، قال تعالى (الذاريات): (والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون).
والله هو البارئ والمصور أبدع الكون وسوّاه رفع السماء ووضع الميزان ثم استوى على العرش فالليل والنهار بحسبان والكواكب والنجوم والمجرات تسبح في ملكوته لا تقف ولا تفتر ولا تتعب فهي مسترسلة إلى قدرها خاضعة إلى نواميسها التي وضعها الله تعالى لها فهي تسبّح بحمد الله الخالق الحكيم الجبار القادر سبحانه وتعالى عما يصفون، والله تعالى خلق الملائكة والجن والإنس وكل ما دب على الأرض أو وقر في السماء أو جال في الكون أو سكن في ذرات الكون المتناهية في الصغر، إنه رب العزة والجلالة، إنه هو السميع البصير الخبير المتعال، إنه الله الحكم العدل إنه العزيز الحكيم ذو القوة والجبروت، خضعت له جبابرة السماء والأرض، آياته تنطق في النفوس وفي الآفاق وتملأ الكون مهابة وجلالا وقدرا عظيما، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، إنه الله لا إله إلا هو رب السموات والأرض ورب المخلوقات سبحانه وتعالى عما يشركون.


الميزان في القرآن الكريم

الميزان يعني القياس والقياس يتنافى مع الله جل جلاله وعز سلطانه والله أكبر من قبل ومن بعد له الجبروت والملكوت وله السموات والأرض وله الكبرياء فيهما وهو الواسع العليم. والميزان الأعظم هو (لم يلد ولم يولد)  فهو الأوحد الذي لا يقابله شيء لا مادي ولا معنوي ولا في تجليات الخيال، وهو الأحد الصمد الذي لم يكن له كفوا أحد ، فهنا يكمن السر في هذا الميزان الأعظم الذي يفوق الإدراك البشري فلا أحد يستطيع القياس لأن الميزان مهما عظم شأنه في إدراك البشرية كلها هو مقارنة بين شيئين وبين وجود وعدم وبين جماد وفراغ وبين شد وجذب إلخ...  أمّا الله الأحد الصمد فلا مقارنة ولا ند ولاصاحبة ولا شريك ولا ولي من الذل، فمن لا نـدّ له ولا شيء ليقارن به لا نستطيع أن نجعله في الميزان وإنما هو الذي خلق الميزان كفكرة وتطبيق في السموات والأرض وما أعظمها من فكرة وما أبدعها من وجود وملكوت فيه ما نعلم وما لا نعلم وفيه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. والله هو الأول ليس قبله شيء وهو الآخر ليس بعده شيء وهو الباطن ليس دونه شيء وهو الظاهر ليس فوقه شيء ، سبحانه المنـّان هو في الأرض إله وفي السموات إله.

 يتجلى مفهوم الميزان في القرآن الكريم في الفكرة ثم الوضع ثم التبعات والتطبيقات ثم الآثار والدلائل. 

حكاية الوجود الميزان، وأصل الكون الميزان ودلالة الكون الميزان مما أبدعه الله عز وجل، فبعد أن رفع الله السماء بغير عمد ترونها وضع الميزان، قال تعالى (الرحمن): (والسماء رفعها ووضع الميزان)، فلا كون بدون ميزان ولا وجود بدون ميزان، فلسفة الكون بما فيه من المجرات والمادة قائمة على وجود فكرة الميزان، تدخل في كل مادة وفي كل فراغ وفي كل مجرة وفي كل نجم وفي كل قمر وفي كل كوكب سيار أو مذنب عملاق، فوجود الميزان تبعه خلق الأشياء وإبداع الكون بما فيه من الجماد والحياة والسكون النسبي والحركة الدائبة المستمرة.

والله هو الذي خلق فسوى ثم قدر فهدى، خلق سبع سموات طباقاً في يومين ثم قدر فيها أقواتها واستوى على العرش لا إله إلا هو، فلا وجود إلا بقدر ولا ذرة إلا بميزان ولا نظام شمسي أو أي مجرة إلا بميزان ولا حركة إلا بميزان ولا تفكير إلا بميزان، فالنقص بميزان والعمل بميزان والسريرة بميزان وومضة البرق بميزان والوقت ميزان، قال تعالى (القمر): (إنا كل شيء خلقناه بقدر).
والتوحيد هو أعظم ميزان، فعندما يقول الإنسان الله أكبر إنما شهد لله بالوحدانية وبالميزان الحق، ولو لم يكن الميزان لكان العدم مما ندرك، ولو كان في السموات والأرض آلهة مع الله عز وجل لاضمحلت الدنيا وناءت عن الوجود، قال الله تعالى (الأنبياء): (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون)، إنه اختلال في الميزان إذن إن كان مع الله شريك في الملك ولذهب كل إله بما خلق وأصاب العطب الميزان وما بدأ الكون من الأصل. 
قال الله تعالى (آل عمران): (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم)، لو لم يكن الميزان لكانت العشوائية ولسادت الفوضى الكون ولا نتهت السموات والأرض قبل أن تبدأ الكواكب بالدوران والنجوم باللمعان والقلوب بالخفقان، فالكون ليس فوضى عشوائية عارمة تهيم على وجهها والكون ليس فوضى منظمة إنما هو الإبداع بالحق وبالميزان وهذا هو الإعجاز الكبير. ولهذا فالسببية أساس الكون والميزان هو العنصر الأهم ، والمسبب هو الخالق والواجد والمعادلة تنطوي على فكرة الميزان من أساسها للوجود واستمراريته.
 
وقد وصف الله تعالى دين التوحيد بالدين القيّم، قال تعالى (الروم): (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، فالدين القيم هو الدين العدل والدين الحق وهو الدين المتوازن، قال تعالى (الشورى): (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب)، وقال تعالى (الروم): (فاقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من الله يومئذ يصّدعون).

وكذلك الصراط المستقيم عبارة عن الميزان الذي وضعه الله وأرسله للرسل وحياً لهداية البشر، قال تعالى )الفاتحة): (إهدنا الصراط المستقيم)، وقال تعالى (المؤمنون): (وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم)، وقال أيضأ (الأنعام): (وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصّاكم به لعلكم تتقون)، وما اختلال الميزان إلا عند هؤلاء الذين يبغونها عوجاً أو الذين ضلوا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

ولقد سمى الله نفسه بالعدل، فالعدل من أسماء الله الحسنى، والعدل قائم بالميزان والميزان شعار نقابات المحامين ومن أراد أن يحكم بين الناس بالحق ألا وهو الميزان.

وما أكثر التوازنات فهناك توازن الكون وما فيه من المجرات والمجموعات والأرض والجزيئات والذرة والنواة، وهناك توازن الجسد الفيزيائي والهرموني والكيميائي، وهناك توازن النفس بين المادة والروح وتوازن العلاقات وتوازن الأعمال بين الربح والخسارة وغيرها.

والقرآن الكريم مليء بالألفاظ الدالة على الميزان إما صراحة أو تضميناً فالفكرة عظيمة والتطبيق عظيم والدنيا والآخرة والكون كلها خاضعة لميزان وضعه الله العزيز الحكيم ذو القوة المتين.


الميزان في السموات والأرض
ميزان الله تعالى من أدقّ الموازين وأنجعها فلا نهاية لدقته أبدا ولا حدود لفكرته إطلاقاً فمثقال ذرة مثلاً، هذا الوصف مهما كان دقيقا فهو لا يزال تشبيها من أجل تقريبه لعقول البشر أما ميزان الله عز وجل فهو فوق كل فهم وفوق كل اعتبار، فليس ما نرى وندرك ونحلل وندرس إلا جزء من فهم الميزان الكبير العظيم من الفكرة إلى النواميس إلى القوانين إلى بداية الخلق وما ينتهي إليه أو ما لا ينتهي إليه حسب تقديرات الله الكبير المتعال، ولا شيء في الأرض أو في السموات إلا وله في الميزان شأن، قال الله تعالى (لقمان): (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير)، فهي جزء من الميزان الذي وضعه الله عز وجلّ، والمادة كلها من الميزان، حشرة في أدغال الأمازون تحت ورقة شجرة يابسة هو من التوازن،  نجم حرارته تفوق المليون درجة مئوية وحجمه أضعاف حجم الشمس هو من التوازن، فلا يعزب عن الله مثقال ذرة لأن الميزان في غاية الدقة ما بعدها دقة، وهو الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين. وهكذا فقد قدّر الله الخلق ثم سوّاه، قال تعالى (الفرقان): (وخلق كل شيء فقدره تقديرا)، وقال (الشورى): (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزّل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير).
إشارة (اليساوي) معجزة فكرية وعلمية وعملية، أما عن الصفر فهو رمز من رموز التوازن يقع بين الموجب والسالب وهو بين الوجود والعدم وإن كان الصفر من العدم، والوجود ميزان والعدم كذلك إلا الله عز وجل فهو خالق الوجود والعدم وخالق الميزان ونواميسه وتطبيقاته، كلمة قد لا يستوعبها الإنسان بكل معانيها ولكنه يفقه هذه الفكرة العجيبة البديعة مما يرى من تأثيراتها ودلالاتها، ولو وعى الإنسان معنى الميزان بكل تفاصيله لصعق من عظم الفكرة ومعناها ولصحا على نغمات قلبه تسبح الخالق العظيم وتسجد له آناء الليل وأطراف النهار.
والقوى القائمة على توازن الكون متعددة وقد جعلها الله تعالى تتوافق مع طبيعة الأشياء التي خلقها فمنها القوى الكهرومغناطيسية والقوى النووية والقوى الكتلية التجاذبية وكلها تساعد على التوازن في نسق عجيب من الذرة إلى المجرات إلى الكون بأسره، قال تعالى (آل عمران): (الذين يذكرون الله قياما وقعودا  وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار). التوازن الكوني عظيم عظيم، عظم الكون وما فيه، عظم النجوم ومواقعها ومداراتها، قال تعالى (الواقعة): (فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)، فقد أقسم الله هنا بمواقع النجوم وعندما يقول الله عن شيء عظيم فهو عظيم، إنه الميزان، والنجوم مسخرات بأمره والسموات مطويات بيمينه في توازن عجيب عظيم فسبحان من خلق فسوى وقدّر فهدى. والدروان والتجاذب من الميزان فجميع الكون من الذرة إلى المجرة مبني على تلك القوى المتوازنة التي خلقها الله شديد المحال، وقد سخر الله لنا الشمس والقمر دائبين أي نفسهما دون تغيير، ولو أن الأرض مسطحة لجاءت الشمس مثلاً صباحاً ثم غربت وانتهت واضمحلت ثم جاءت في اليوم التالي شمس غيرها من الشرق، ولكن لمّا قال تعالى دائبين أي مستمرين فهذا دليل على الدوران دون أن نعرف ما نعرف اليوم من العلم وهذا هو من التوازن الذي جاء به القرآن الكريم، وجعل الله التوازن في الأرض مثلاً في الحركة من الدوران والثبات على المدار ومنحها المجال المغناطيسي، ومن مهام هذا المجال المغناطيسي حفظ الأرض ومن عليها من الرياح الشمسية العاتية وهذا ما نراه ويفسره العلماء بظاهرة الشفق القطبي حين تتفاعل موجات هذه الرياح  مع المجال الأرضي وتتبدد فوق منطقة القطبين، فالسماء درع حافظ للأرض وتوازنها، قال الله تعالى (الأنبياء): (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً وهم عن آياتها معرضون).

تولّد النجوم وانفحار النجوم هي كلها عدم توازن محلي ووقتي في سبيل التوازن الكبير، فالنقص في الكون كمال له من جهة أخرى، قال الله تعالى (الأنبياء): (بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنـّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهمُ الغالبون)،  وأيضاً الحركة الدائبة للنجوم والمجرات والكواكب والتوابع وغبار الكون والمذنبات، فالكون في استقرار عجيب رهيب مع حركة لا تفتر وتغييرات داخلية لايستوعبها إلا العليم الخبير الذي أحسن كل شيء خلقه وحفظه حتى حين، قال الله تعالى في حفظ السموات والأرض (البقرة): (... ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم)، وقال أيضاً (ق): (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسّـنا من لغوب). 
وجعل الله تعالى الرياح لواقح هو ميزان، وإرساء الجبال في الأرض أن تميد بالبشر هو ميزان، والحياة والموت والليل والنهار والظل والحرور كلها ميزان، والتغيرات على الأرض من تحرك الصفائح الأرضية والحت والتعرية والزلازل والبراكين (وعلى الكواكب الأخرى أيضاً قد يكون مثله أو كذلك) كلها من تغيير التوازن الصغير من أجل التوازن الكبير، والكون مبني على النقص والتكامل والحركة الدائبة في سكون نسبي وعلى المضي إلى مصير كتبه الله له فهو في يد الرحمن يفعل به ما يشاء ويختار، ولما كان الله قد كتب على نفسه العهود فلن يخلف الله وعده في مصير الكائنات والكون والمخلوقات، إلا بما يشاء ويختار.

المعادلات الرياضية والكيمائية وغيرها من العلوم التابعة لها ميزان، والفعالية وهي الداخل والخارج وما نتج عنهما ميزان حين يكون الباقي مثلاً إما على شكل حرارة أو غير ذلك، والمادة تتحول إلى طاقة  وقوانين حفظ المادة ميزان، والتجاذب الكتلي وقوانين نيوتن في الجاذبية والحركة وعلم السكون ميزان. والجاذبية والتجاذبات الكتلية والقوانين الفيزيائية كلها من الميزان في ناموس الكون، ووزن الشيء أمر نسبي فالميزان عند الله هو كما علمنا، ويوم عند ربك كألف سنة مما تعدون، ويعرج الأمر إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، والحسنة بعشر أمثالها في ميزان الله الأقوم، ووزن المادة على الأرض ليس كوزنها على القمر أو في الفضاء أو على كوكب آخر، والوزن عند الله هو الوزن الحق.  

السيارة ميزان والطائرة ميزان والعجلة ميزان والإنسان ميزان في الحركة والتعامل والأنفاس، والقمر ميزان والشمس ميزان والسعال ميزان والعطر ميزان والمحبة ميزان والنظرة ميزان. ميزان الحرارة وميزان الزلازل وغيرها من الموازين والمقاييس فمهما كان الميزان بكفتين أم بمؤشر واحد أم بقراءة الكترونية أم مقياس نسبي فهو الميزان لأن كل ذلك مبني على أساس ومرجع ومواصفات ومتطلبات وكلها من فكرة الميزان، فأعمال التصنيع وأعمال الجودة ونظم المعلومات والنظم الإدارية مثلا كلها مبينة على فكرة الميزان، فسبحان الله العظيم واضع الميزان وخالق هذه الفكرة العظيمة فهذا هو الإعجاز الأعظم. والرصيد أيضاً، هذه الكلمة التي نعمل من أجلها ونستعملها هنا وهناك هي مبينة على الميزان، الحياة والمعاملات والعلاقات والمصرف والعلاقات الاجتماعية والسمعة، وهناك رصيد الإنسان من العلم والأدب، من المعرفة والثقافة، من الناحية النفسية، وغيره كثير، فالرصيد هو ميزان وكل من حسب وزن.

القوانين الإلهية ميزان والشرع ميزان والقوانين الوضعية على الأرض تتجه نحو الميزان ولكن شتان بين هذا وذاك، أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تبصرون!


الميزان بين الناس 

الميزان بين الناس يتمثل بالمعاملات على كافة أنواعها وأنماطها، وقد أمر الله عباده بالعدل وشرع لهم القوانين والتعليمات عن طريق رسله ونهاهم عن الجشع والطغيان وحرمان الآخرين من حقوقهم وأشيائهم، وقد أهلك الله تعالى القوم لأنهم كانوا يخسرون في الميزان.

قال الله تعالى (هود): (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ، ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين)، فهناك أمر بأوفوا وهناك نهي بعده بلا تبخسوا ثم الإفساد في الأرض إن لم يتم اتباع الإرشادات والتعليمات. ولا تبخسوا الناس أشياءهم من المادة والبيع والشراء والتعاملات وفيها تدخل السمعة والغيبة النميمة وغيرها من بخس الأشياء وهضم الحقوق.

وقال تعالى (الشعراء): (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين، وزنوا بالقسطاس المستقيم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين)، ولمّا لم يأتمروا بامر الله ولم ينتهوا عما نهاهم عنه أخذهم عذاب عظيم سماه الله عذاب يوم الظلة.

وقال تعالى (العنكبوت): (وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين، فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دراهم جاثمين)، وقد كان إفسادهم في الأرض إذا كالوا الناس فهم مخسرون.

وقال تعالى أيضاً (الأعراف): (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين).

وهكذا نرى أنه قد تكرر الموضوع نفسه في عدة أماكن من القرآن الكريم في صورة الإفساد في الأرض في موضوع بخس الحقوق وحرمان الناس من أشيائهم، والفساد في الأرض هو من اختلال الميزان الذي وضعه الله في جميع الكون وأمر به عباده على كل المستويات، وقد جاء العقاب الدنيوي في اختلال الميزان الوقتي من الأرض في الرجفة والظلة.

وقال تعالى (الإسراء): (وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا)، وعبارة أوفوا الكيل هي من الإحسان أيضاً. وقال تعالى في عموم المعنى في سورة المطففين: (ويل للمطففين ، الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون ، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون ، ألا يظن أؤلئك أنهم مبعوثون ، ليوم عظيم ، يوم يقوم الناس لربّ العالمين)،  فقد جعل الله اسم سورة من سور القرآن الكريم (المطففين) لعظم هذا الأمر عنده، فالحقوق بين العباد لا هوادة فيها ولا يسقط الحق المادي والتعاملي بالتقادم أبداً، ونرى على سبيل المثال عند بعض الشركات ديون معدومة، فلا دين يعدم عند الله في مسألة حقوق العباد بين بعضهم. 

وقال تعالى في سورة (الرحمن): (والسماء رفعها ووضع الميزان ، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان)، فالنهي والأمر في هذه الآيات ينطبقان على الأفكار والأعمال والمعاملات والأوامر والنواهي والتوحيد لله عز وجل والإعتراف بربوبيته وينطبقان على المحسوسات المادية من أشياء وسلع وتبادل وبيع وشراء.

والزواج ميزان والعلاقة فيه ميزان والأمر إن كان فيه توازن يرقى وإلا يترنح ويتهاوى أو يسقط، قال تعالى (النساء): (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله...)، وقال (البقرة): (...ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم )، درجة المسؤولية والتكاليف من العناية والإنفاق وغيرها إذن هي درجة تجعل الميزان قويماً فهو الميزان ما يقود إلى بر الأمان.


الميزان في النفس والجسد 

الروح والمادة، هذا الميزان الحساس، هذا التوازن العجيب الذي وضعه الله في كل إنسان فجعل الجسد وعاءً للروح يحتوي أصلها إلى حين فتحركه وتديره فينبض القلب وتنطلق الأحاسيس وتنتعش الحركات، وجعل لكل جزء من المعادلة غذاءً يقتات منه، فغذاء الروح من السماء التي أرسلها الله منها وغذاء الجسد من الأرض التي نبت منها بإذن الله وتقديره، وإضافة إلى ذلك جعل للروح ميزاناً يضبطها وللجسد ميزاناً في قبول الغذاء والتفاعل معه فالنتيجة شعور وإحساس ونية وعمل وسعي ونشور. فالتوازن الرئيس إذن بين المادة (الأشياء المادية من الجسد وتوابعه) وبين الروح (الناحية الروحية والنفسية وتوابعها) ثم التوازن الروحي مع نفسه والتوازن الجسدي مع نفسه. وعندما تغلب المادة على الروح وتأخذ الغرائز دورها في تسيير الأمور وتستمد الروح غذاءها من الأهواء المتلاطمة يصيب الميزان الرئيس خللٌ، وعندما تغلب الروح على المادة في الغلو والتقوقع والتوهيمات يصيب الميزان الرئيس خلل.

والروح لها ما يساعدها على المضي في الصواب وقد أنزل الله غذاء لها عن طريق الأنبياء والرسل لتشذيبها ومساعدتها على حمل مهمة الحياة والتحضير للسفر القادم لامحالة، قال الله تعالى (الشمس): (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دسّاها)، والجسد له ما يساعده على حمل المهمة نفسها حيث قال الله تعالى (الحجر): (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون)، وأمر الله عباده أيضاً بانتقاء الطيبات من الرزق ونهاهم عن الخبائث في مواضع عديدة من القرآن الكريم.
 
وتوازن الروح أمر من الأمور الهامة في حياة الإنسان، فإن حملت النفس تعليمات الهد عز وجل أنبتت خيراً في الشعور وآتت أكلها في النية الطيبة وأثمرت في الفعال والعطاء وانتابها سرور فقد رضيت بالله رباً واحداً لا شريك له، والتوحيد ميزان أعظم، وإن انتفى التوحيد والذكر كان العكس، ، قال تعالى (طه): (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ...)، وكلما أعطت الدنيا الإنسان طلب المزيد لاهثاً وراء حطامها بميزان خاسر، وبذلك يضفي اختلال الميزان الروحي إلى تبعات تحتاج إلى علاج، وعندما تتفاعل الهيئة النفسية سلباً وتتبعها الهرمونات تغييراً من نقص الغذاء الروحي أو انحرافه وشذوذه تطغى على النفس حالات غير متوازنة منها الإحباط واليأس والكآبة وغيرها، فالقنوط مثلا حالة من عدم التوازن لفقد الثقة بخالق الأكوان ومدبرها، قال الله تعالى (الحجر): (قل ومن يقنط من رحمة الله إلا الضالـّون)، وقال تعالى (يوسف): (... ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون)، فقد وصف الله القانطين بالكافرين وبالضالين، فإن اضطرب الغذاء الروحي اضطرب الميزان، وما التغيرات السلوكية الجامحة والحالات النفسية المستعصية إلا اضطراب في الغذاء الروحي عموماً.

وتوازن الجسد هو توازن مادي يتجلى في التوازن الهرموني والكيميائي والتوازن الفيزيائي من الحركة والسكون، وميزان الجسد الغذاء من مواد الأرض من الطعام والشراب ومن الهواء. والنبات الموزون الذي أنبته الله هو الذي يؤدي في أحد نتائجه إلى الغذاء الموزون والجسد الموزون، وهذه الدراسات القائمة عن الميزان في الغذاء دليل على هذا الميزان الذي سخره الله تعالى للبشر، وإن اضطرب الغذاء اضطرب الجسد، واضطرابات الوظائف تؤدي إلى اضطراب الميزان.


الميزان في الأعمال

الربح والخسارة، الحسنات والسيئات معادلة جاءت فكرتها من الميزان وبدأ تطبيقها حيث فتحت السجلات أبوابها منذ أن خلق الله آدم ثم خلق منه زوجه وبث منهما رجالا كثيراً ونساء، وقد حث الله عباده على الإيمان والعمل الصالح عن طريق رسله وكتبه ورغـّب بالنوايا السليمة والحسنات وحذر من السيئات وعواقبها، فالسيئة بمثلها والحسنة بعشرة أمثالها والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم، وضرب الله بهذا مثلاً الحبة التي أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، فقد تغمدت الرحمة العدلَ بغمدها وكللته بإكليل من الغار والتيجان المرصعة بالحلي والأحجار الكريمة، والميزان دقيق عند الله وكل شيء عنده بحسبان، قال تعالى (الزلزلة): (فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره)،  فالله تعالى وضع فكرة الميزان الأعظم وأمر عباده ألا يطغوا في الميزان مع أنفسهم ومع الآخرين في كل مجالات الحياة، وفي ذلك قياس على الفكرة الأساسية للميزان فهذه الفكرة تنطبق على الكون بأسره وعلى العباد وعلى مايعملون وما يؤولون إليه. قال تعالى (الأعراف): (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفّت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون)، وكذلك وعد الله ألا يظلم أحداً من العالمين عندما يرون يوم القيامة ذلك الميزان الحق العدل الذي يحسب كل كبيرة ودقيقة، قال تعالى (الأنبياء): (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين)، وكذلك جاء الترغيب من جهة والوعيد من جهة أخرى حاضرين واضحين حين قال الله تعالى (القارعة): (فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية، وأمّا من خفتْ موازينه فأمّه هاوية)، ويصور الله أيضاً حال البشر يوم نفخة الصور حين يأتيه كل إنسان فرداً يحمل أعماله على كفتي الميزان، قال تعالى (المؤمنون): (فإذا نـُفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا هم يتساءلون، فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفـّتْ موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون)، فالوزن هو الحقيقة والميزان هو الأساس والذين خسروا أنفسم هم الخاسرون حقـاً وهذا هو الميزان العدل الذي وعد الله به عباده، ولهذا فالتوحيد أعظم ميزان في وزن الإنسان وعمله، قال الله تعالى (الزمر): (فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين)، وقد أشاد الله بالمؤمنين منهم والصابرين وأعطاهم الخير حين بشّرهم بالجزاء الأوفى في تنمية الأعمال الحسنة الصالحة كما جاء في موضعين من سورة النحل وكما قال تعالى (الزمر): (ليكفـّر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون).


يوم القيامة

إنّ للقيامة موازينها في القيامة نفسها والحدوث والتفاعل ولها موازينها في البشر والحساب والمصير، وهذا الأخير هو ما يهم الناس آجلاً ويجعلهم عندئذ مشفقين أو مهللين، والساعة التي أخفى الله وقتها عن عباده ومخلوقاته ثقلت في السموات والأرض، قال الله تعالى (الأعراف): (يسألونك عن الساعة أيّان مرساها قل إنّما علمها عند ربي لا يجلّيها لوقتها إلا هو ثقلتْ في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفيٌّ عنها قل إنما علمها عند الله ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون). وقال تعالى (الحج): (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم)، الزلزلة فقدان التوازن من أجل خدمة التوازن الكبير الذي خلقه ووضعه الله عز وجل فقد اهتز الكون من الصور واختل الميزان بقدرة الله وخضع الكون كله لله عند قيام الساعة دون ريب. قال تعالى (الزلزلة): (إذا زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت الأرض أثقالها)، هذا يوم البعث عندما تخرج الأرض أثقالها من الحمم والبشر بوحي من الله وتهتز الصفائح مخرجة ما كمن من الطاقة فقد فقدت التوازن من هول هذا اليوم العظيم يوم التغابن. وفي يوم القيامة يضع الله الموازين القسط للناس، قال تعالى (الكهف): (ووضِع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه...)، الكتاب أي الميزان. وقال تعالى (الزمر): (وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يُظلمون)، الكتاب أي الميزان، وقضي بينهم بالحق أي بالعدل والميزان السوي. وقال أيضاً (الكهف): (أولئك  الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطتْ أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً)، أي لا يقيم الله لأعمالهم يوم القيامة وزنا لأنهم كفروا أو أشركوا فأعمالهم كرماد منثور في ريح عاصف لا يقدرون على جمعه، ولهذا فالتوحيد هو أعظم ميزان. قال تعالى (الإنشقاق): (فأمّا من أوتي كتابه بيمينه ..) كتابه هو ميزانه الذي وضعه الله له يوم القيامة عند الحساب حين يلقاه منشوراً.

ولنراجع قول الله تعالى (الحاقـة): (والمَلـَكُ على أرجائها ويحمل عرش ربك يومئذ ثمانية)، إنه ميزان فارع واسع عظيم، الله أكبر ما أروع خلق الله البديع، هوالحق سبحانه وتعالى عما يشركون.


خاتمة

سبحان من جمع الأضداد في الخلق فأحسنه، وسبحان من وضع المتناقضات فسوّى السموات والأرض ثم هدى كل مخلوق إلى وظيفته ومهمته، وسبحان من أوجد الميزان والنواميس والقوانين فأبدع الكون وما فيه وما مسّـه من لغوب، إنه الله مالك الملك، إنه الله العزيز الحكيم الكريم الوهاب. فالفكرة عظيمة ولولاها لما قامت السموات والأرض ولا استوى الخلق ولا ارتقى جماد ولا تنفس حي.

اللهم علمنا ما جهلنا وانفعنا بما علّمتنا وأعنـّا على السداد في فهم الميزان الحق لنعرف ذواتنا ونعي عالمنا الذي وهبت لنا ونعمل صالحاً حسناً بما يقودنا إلى الفردوس الأعلى من الجنة، وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وعنا معهم يا رب العالمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمدلله رب العالمين.