ما يدخل فيها يخرج منها

PDFطباعةإرسال إلى صديق

بسم  الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله وأصحابه أجمعين.  أما بعد:

هو موضوع يخص كل إنسان على وجه هذه البسيطة ممن أتى ثم مضى وممن حضر وهو حي يرزق وممن سيأتي ثم يمضي إلى أن تاتي القارعة ويرث الله الأرض ومن عليها.  قال تعالى (ق): (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد). نعم كل نفس دون استثناء وينطبق هذا على كل البشر مهما تنوعت ثقافتهم ودينهم، ومهما اختلفت ألوانهم وأصولهم وفروعهم.

وللموضوع إسقاطات عدة،  ونخلص هنا إلى ثلاثة مستويات:

المستوى الجسدي
المستوى الاخلاقي والتعاملي
مستوى الدنيا والآخرة

المستوى الجسدي:

قال الله تعالى (البقرة): ( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) إنها مناداة لناس كافة ممن خلق من ذرية آدم. وقال الله عز وجل (الحج): (... وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج).  لقد كتب الله وأنزل رزق العباد وجعله على الأرض منها ليعود إليها. هذا المستوى هو المستوى المتعلق بالطعام والشراب وكيميائية الجسد. خلق الله الإنسان لكي يعيش ويعمل ووضع فيه طاقات ميكانيكية مذهلة وديناميكية بديعة. قال الله تعالى (التين): (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم). وجعل الله أصل غذاء الجسد من الأرض بما تنبت وتعطي حيث تتحول العناصر الغذائية إلى طاقة حسية حركية، وفضل الله الطعام بعضه على بعض في الأكل، كما قال الله (الرعد): (وفي الأرض قطع متجاورات وجناتٌ من أعنابٍ وزرعٌ ونخيل صنوانٌ وغير صنوان يُسقى بماء واحد ونفضّل بعضها على بعض في الأُكل إنّ في ذلك لآيات لقوم يعقلون)، وكما قال تعالى لبني إسرائيل عن الطعام (البقرة): (... أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير...). وطلب الله من الإنسان التحري في انتقاء الطيب من الطعام حين قال (البقرة): (... كلوا من طيبات مارزقناكم...).

ولقد ذكر الله في سورة النحل العديد من نعمه على الناس بما سخر لهم في السماء والأرض، في البر والبحر، وسخر للناس الليل والنهار، والأنعام والحرث، وذلك ابتغاء الفضل من الله والنعمة وسبل المعاش على الأرض.

ولهذا فإن صحة الإنسان ضرورية لاكتمال المعاش، والعمر محدود والأجل مكتوب ولكن الله عز وجل منح الإنسان العقل وأعطاه التفكير ووهبه نعمة العلم لكي يتدبر ويتحرى الطيب من المأكل لخدمة جسده طالما هو على قيد الحياة. قال تعالى (يسن): ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون، وجعلنا فيها جنات من نخيل واعناب وفجرنا فيها من العيون). لماذا كل هذا ( ليأكلوا من ثمره وماعملته أيديهم أفلا يشكرون ).
 
يمنح الإنسان جسده الطعام والشراب والهواء وكلها من الأرض، وعلى ذلك فإن الإنسان يأخذ من جسده بمقدار ما يعطي له، والحكمة تقتضي أن يأخذ الإنسان بعامل العلم والمعرفة من كل أنحاء المعمورة ليتعرف على تأثيرات الطعام والشراب على الجسد وعلى سلوك الإنسان في التعامل والحركة والسكون، وعليه الحفاظ على جسده  الذي وهبه الله إياه وعاء لروحه التي بين جنبيه إلى حين مسمى.

لقد جعل الله شرط القبول في الأعمال الإيمان حين قال (الأنبياء): (فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون). وكذلك على الإنسان أن يحرص أن لا يدخل في جوفه ما حرّم عليه الله حتى يتم القبول وتؤتي العناصر الغذائية أكلها في الحلال. قال الله تعالى (النحل): (إنما حرّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أُهلَّ لغير الله به ...). وحرم الله جميع الخبائث ومنها الخمر لمضاره الجسدية والسلوكية. وآيات الله وفيرة في هذه الشؤون لمن أراد أن يستزيد.

والحقيقة واضحة جلية بأن الجسم في آخر المطاف يفنى والروح باقية بيد الله الرحمن الرحيم ينقلها جنوده من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة:

الروح   تخلد  فالبرايا  في   ســقـمْ     والجسم  يبلى عند رمس  ذي رقمْ
ولَـيَـحـسبُ   الإنسان  أن   مصيره     في أمره  من  عقله ،  أهو  الحكم!
الله   يحكم    بينما     أنت    الـذي    قد ساقك  القدر العجيب إلى  العدم
وكذا  حقيق   أن   تذوب    لحومنا     وعظامنا   تبقى  لعبرة  من   ردمْ

وكما أن الله أمر الإنسان أن يعتني بجسده فإنه من الأولى أن يأمر الإنسان أن يعتني بروحه الخالدة التي تنتقل من حياة الدنيا الفانية إلى حياة الآخرة الباقية، وقد فعل الله عز وجل هذا بحق.

المستوى الأخلاقي والتعاملي

ويدخل في المستوى التعاملي المستوى الديني عموما بما فيه من العمل بالقيم والتعليمات والأخذ والعطاء. لقد أنزل الله الذكر ومنح البشر التعليمات عن طريق أنبيائه ورسله، فإن دخل هذا في النفس والعقل والقلب أخرج طيباً وأعطى نفعاً، وإن دخلت في النفس وشوشات الدنيا وضجيجها دون الهداية أخرجت شوكاً وعمى، قال الله تعالى (طه): ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيمة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تـُنسى). فمن نسيه الله عز وجل يوم القيامة خاب وخسر وهو الذي ظلم نفسه، وهذا لفظ مجازي لأن الله تعالى لا ينسى أحداً ولا ينسى شيئاً ولا يهمل أبداً إنما يمهل ويملي، ولا تأخذه سنة ولا نوم إنما يكيد كيداً، والنسيان من أصعب أنواع العذاب حين لا يعرف الإنسان مصيره وهو يعاني ما يعاني من أهوال يوم القيامة وأوقات الحشر العصيبة، يقول الله تعالى: ( ويوم عند ربك كألف سنة مما تعدون). وقال الله تعالى (المعارج): (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسينَ ألفَ سنة)، فينتظر الإنسان يوم القيامة وينتظر وهو أعمى البصر والبصيرة مما ظلم نفسه وأغطشها في حياته الدنيا.

وفي عودة إلى فطرة الله في الخلق فقد فطر الله الخلق على التوحيد، والمحيط هو ما يجعل الإنسان يؤازر نفسه على الصواب أو ما يخطو به إلى متاهات الكفر والإلحاد والعصيان، وعلى الإنسان الابتعاد عن المحيط السيء والتحري في الجيد من القول والعمل والسلوك، فما يضع في نفسه يحصده ويأخذه عاجلا كان ام آجلا، يقول الله تعالى (الأعراف): (والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأؤلئك هم المفلحون ومن خفت موازينه فأؤلئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون).  هذه مقارنة واضحة جلية بين من أفلح في نفسه وعمله وبين من خاب في نفسه وقد ظلمها، هؤلاء الذين لم يتبعوا طريق الحق فقد خسروا أنفسهم، ولم يقل الله خسروا أجسادهم أو أشياءهم أو ما يمكلون من المتاع، إنما خسروا أنفسهم فلم يضعوا فيها ما أمرهم الله به ولهذا جاءت خالية من كل طيب فارغة من كل خير، وبهذا يكون الإنسان قد ظلم نفسه وهو يحسب أنه يحبها ويجلها. قال تعالى في بني إسرائيل (البقرة): (... وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون).  وقال تعالى (الزخرف): (... وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين).

للنفس    فـيك    مصالح   لا تنتهي  طـَلـَبُ   النفوس   يُعاب    بالآثام
فاعدل طريقك  في الأنام  ولا تخف   تلقَ    الإلـه     يفيض     بالإنعام

والله تعالى يثني على الذين أنعموا على أنفسهم من تصديق وعمل ويوفيهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فالاطمئنان الناجم عن الثقة برب الأرباب نعمة أنعهما الله على عباده المؤمنين حقا، والله دائما وأبداً على صراط مستقيم دون شك أو ارتياب وهو لا يخذل عباده الؤمنين وإنما هو ابتلاء وامتحان فإما جنة الخلد وإما عذاب مقيم، قال الله تعالى (النساء): (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأؤلئك يدخلون الجنة ولا يُظلمون نقيرا)، وقال تعالى (النجم): ( وأنْ ليس للإنسان إلا ما سعى، وأنّ سعيه سوف يُرى)، أيضاً، لقد ضمن الله الحياة الطيبة في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة لهؤلاء الذين يعملون الصالحات مع الإخلاص لله، قال الله تعالى (النحل): (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينـّه حياة طيبة ولنجزينـّهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون). وهؤلاء المتقون يعاملهم الله بكرمه الواسع العظيم، يقول الله تعالى واصفاً المتقين (الزمر): (ليكفـّر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون). ما أعدله من بارئ بديع وما أكرمه من خالق عظيم.

والله القوي العزيز غني عن العالمين، منزه عن الحاجة إلى مخلوقاته، هو الله الأحد الصمد سبحانه، وهو الحي القيوم الحكم العدل فلا يظلم الله أحدا وما من أحد يستطيع أن يظلم الخالق العظيم إنما يظلم نفسه بالابتعاد عن الصراط السوي ونسيان الحق في حياته ومعاشه، قال تعالى (الأنبياء): ( لا يُسئل عما يفعل وهم يُسئلون).

فما يدخل في النفس يخرج منها ، وهذه هي حكمة الله في خلقه حينما وضع الميزان وجعله أساس الكون حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

مستوى الدنيا والآخرة

وهو المستوى الأعلى والأكبر والمهم في معادلة الحياة والموت، يقول الله تعالى (الملك): (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور). ولقد خلق الله الميزان كما أسلفنا ووضعة معنى وفعلاً في السموات والأرض وجعل قسطا منه في الأعمال البشرية، أعمال النفوس وخطراتها وأعمال الجوارح وسكناتها، قال الله تعالى (الأنبياء): (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين)، لقد أثنى الله على نفسه ثناء عظيماً لائقاً بربوبيته وكبريائه وعظمته، وما يضع الإنسان في الدنيا يلقاه في الآخرة منشورا، قال الله تعالى (الإسراء): (إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا). كان الله حسيباً ونفسك عليك حسيباً فاجعلها حسيباً طيباً في الدنيا تنجيك يوم القيامة حينها لا ينفع مال ولا بنون. قال الله تعالى (الجاثية): ( من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ثم إلى ربكم تُرجعون). وقال تعالى (فصّلت): (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد).

ويقول الله تعالى في إحصاء الأعمال وكتابتها (الزلزلة): (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره). فمن أراد الآخرة سعى لها سعيها بالحق الظاهر والحق الباطن، في السريرة وفي الجوارح، في الأعمال والمعاملات، في العبادات والخطرات، والموت هو الحائل بين الإنسان وبين عمله، والموت يحول بين الإنسان وبين ما يشتهي.

وختاما ، ما يدخل فيها يخرج منها، إنه الميزان الحق، إنه العدل المدعوم بالرحمة الإلهية المزجاة التي كتبها الله على نفسه، فحذار حذار من السيئات وحذار حذار من نسيان الآخرة، وحذار حذار من يوم الجمع ويوم التغابن، وحذار حذار من ظلم النفس فمن أحب نفسه نصرها وأعلى شأنها ثم أعانها على الحق وعمل صالحاً، ومن كره نفسه أهملها وظلمها وهو يحسب أنه يحسن صنعا، قال الله تعالى (الشمس): (ونفس وما سواها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها). فالله هو الذي خلق النفس وهو الذي سوّاها كما تكون وهو الذي يملكها ولكنه بحكمته سبحانه وتعالى جعل تزكية النفس بيد الإنسان من ذكر وأنثى.

قالوا  يئست   فقلت لا لم  أيأس       لا زلت   أؤمن  بالإله  الهادي
نفسي   أشذبها   وأشدد  أزرها     نفسي   وعاء  يحتويه   فؤادي
إني رميت  قنوط نفسي بالهدى    وبنيتها   صرحا  على  الأوتاد

وأترككم في رعاية الله عز وجل ، ونفحات من التفاؤل ، نفحات تطرب لها النفوس وتأنس بها الجوارح، ولا يقنط الإنسان من رحمة الله الواسع الشكور الذي يقول في كتابه الكريم:
 
- (إنّ الله يغفرالذنوب جميعا)  - الزمر
- (إنّ أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون)  - يسن
-  (سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين)  - الزمر
- (لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد)  - ق

يومها:

- (وترى الملائكة حافـّين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين) - الزمر