كن سبَّاقاً

PDFطباعةإرسال إلى صديق

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين.

موضوعنا اليوم (كن سباقاً)، وهو موضوع شيق وطويل ومتشعب وهو أمر يحتاج إلى وقفات كثيرة ولكننا نوجز ونعرّج على بعضه باختصار.

نبدأ بهذا السؤال الرائد لكل إنسان من ذكر أو أنثى: لماذا لا تلتحق بالركب الطيب وتكون سباقاً إلى هذا الأمر!!... فمن هو الركب وهل هو مجموعة واضحة بعينها، وما هو هذا الأمر؟

إننا نرى ونسمع ونعي أيضاً أن الدين الإسلامي هو دين الفطرة التي فطر الله الناس عليها وهي أن الإنسان بحاجة إلى توازن مقاديره المتعلقة بالمادة وبالروح، وأن هذه الفطرة ظاهرة لجمع من الناس ومخبوءة عند غيرهم، وأن هذه الفطرة ستطغى في غياب الحلول الأخرى للبشرية وفي غياب التوجهات الإيديولوجية المختفلة التي أثبتت الأيام تخاذلها ونقصانها في الوصول إلى الغايات وضعفها في تحقيق الأهداف الإنسانية، والظواهر تؤكد أن المد الإسلامي الصحيح قادم بالضرورة، هذا المد كعقيدة وشرع وبناء للنفس باتصالها بالله خالق البشر جميعاً، وليس كأسلوب ومنهج يطارد الناس ويحجرعلى عقولهم ويعطيهم العادات والتقاليد البالية والترسبات الثقافية المهترئة مع الجرعات الربانية هنا وهناك وإن لم يفعلوا فالبارود مصيرهم والعداء في وجههم، ولهذا فإن الأمر حساس والموضوع جريء وفي الوقت نفسه يحتاج إلى إيمان وثقة وعقل وعلم وعمل.
إنما هي رسالة خير وبشر، يجب أن لا يكون لدينا مخاوف وشعور بأن المد الإسلامي مخيف كما يصوره بعض المغرضين وفي الوقت ذاته يجب أن يكون هناك حكمة في أن يتم وضع الإسلام في نظر البشرية على الطريق الصحيح وعلى أنه عقيدة وسلوك لا عادات وتقاليد وطقوس محلية أو قبلية يتم فرضها على الناس فينفروا وينفّروا فنكون قد عكسنا الآية وقلبنا ظهر المجنّ، وأيضا لا نريد المد الإسلامي المرعب القائم على نفي الناس من الحياة والتكامل ومن صناعة المستقبل وإعمار الأرض، فالمسلمون دعاة توحيد إلى البشرية وليسوا وكلاء عليها، والرسالة واضحة بينة لمن استزاد من المعرفة، وعلى الإنسان العمل وعلى الله تعالى النتائج فلا نلجأ إلى الإقصاء والعنف العشوائي أبداً ولا للتجريح الممنهج لتحقيق الأغراض لأننا لم نستطع ولن نقدر بذلك تحقيق مآرباً فاضلة إضافة إلى الخطأ الفادح في اتباع تلك الأساليب حاضراً ومستقبلاً، ونعلم أن لكل أجل كتاب وأن الهدف هو التفاعل والتعارف والتبشير والإنذار، ولنقرأ قول الله تعالى (النازعات): (إنما أنت منذر من يخشاها)، وقال تعالى (ص): (قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار)، وقال أيضاً (الحج): (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين)، وقال أيضاً (الحجرات): (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائلَ لتعارفوا إنَّ أكرمكمْ عند الله أتقاكم)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (الناس بنو آدم وآدم من تراب) رواه أبو داود والترمذي.
ومن الأسباب المتعلقة بالضياع الروحي والمشاكل المترتبة على السلوك والقوانين الوضعية والسياسات العدوانية وغيرها:

• فشل الأنظمة البشرية في تحقيق التوازن بين الشعوب والتجمعات والتكتلات
• فشل تحقيق العدل بين البشر اقتصادياً
• إفلاس الوعي الروحي من المقومات المنهجية للبشر
• الآفات الإجتماعية وتبعاتها على الفكر الجمعي والسلوك الفردي والتوقعات
• الترسبات الثقافية البالية أحياناً
• تدني المستوى الفردي والجمعي بنظرة المستقبل الدنيوي وما بعد الخروج من الحياة.

والابتعاد عن الغوغاية أمر مطلوب بشراهة في خضم العولمة الفكرية والعملية وغيرها، وقد ارتبط الإسلام مؤخراً عند بعضهم بالغوغاغية والإرهاب وعدم النظام والفقر وغيره من الصفات التي لا تليق بهذا الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لعباده، وفي الواقع هو ليس غوغائياً ولا هزيلاً ولا يأتيه الباطل من بين يده ولا من خلفه وإنما هناك عوامل فعلية على الأرض وفي ذبذبات الهواء عبر الأثير وعبر البحار هي التي شكلت هذه النظرة ومنها:

• المسلمون أنفسهم عموماً أنظمة وشعوباً.
• فهم العقيدة والتعليمات بطرق متباينة أحياناً وعدم التوافق مع التقدم العصري وعدم التجديد المجدي في الأساليب والتطبيقات رغم المحاولات الجيدة هنا وهناك، بحيث لا نبخس المحاولين والغيورين حقهم.
• الإعلام على المدى الطويل من المجلات إلى السينما والتلفزيون  وغيرها من التقدم التقني في مجال الاتصالات والإعلام المقروء والمسموع والمرئي، وهي تلك الرسائل الممنهجة من قبل هؤلاء الذين لا يرعون في الإنسانية إلا ولا ذمة ولا يرقبون الضمير والنية، ويريدون التشوية أو الربح أو كليهما، ومهما كان الغرض فالإفساد هو الإفساد، ولن ينتهي الفساد ما دامت الأرض قائمة ولكن الأمر مد وجزر.
• الخوف من الإسلام إما جهلاً أو حقداً وتربية ضالة وإما حسداً من عند أنفسهم، قال تعالى (آل عمران): (ها أنتم أولاء تحبّونهم ولا يحبّونكم وتؤمنون بالكتاب كلّه وإذا لقوكم قالوا آمنّا وإذا خلوا عضّوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إنّ الله عليم بذات الصدور).
• تداخل التقاليد والعادات والثقافات المحلية بالشريعة وهيمنتها عليها أحياناً، وهذا من البلاء الكبير وهو من عوامل تثبيط الدعوة والتقدم لتحقيق عالمية العقيدة، وهذا الأمر يحتاج إلى وعي شامل وثقافة عالية ونفوس واسعة.
• النمطية والتخلف في أغلب المجتمعات الموصوفة بالمجتمعات الإسلامية.
• اختفاء أو شحّ الإيثار، ولهذا الموضوع في الأفراد وفي المجتمعات شجون.

هناك عدم فهم للتراث أحياناً وربطه بالأحداث وليس بالمبادئ والأسس التي أنزلها الله عز وجل، ولكن من يمثل الإسلام هل هم أشخاص معينين أم فئة نخبوية خاصة أم هيئات خاصة أم شعوب خاصة أم بلد أو قطر معين، في الواقع إنها المبادئ التي جاء بها الإسلام – هذا ما يمثل الإسلام، الإسلام لا يمثله أحد كليـّاً إلا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه بإحسان ممن ارتضى له الله ذلك، فالأمر واضح جلي ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وعلينا الوعي بهذا الأمر فهو ضروري لاستمرار النهج في طريقه الصحيح وإن تحققت الغاية فليكن  وإن لم تتحقق فلا بأس في ذلك إنما هي الأعمال، والسير على الدرب المستقيم هو ما ينفع وما يجدي إن تحققت الأهداف أم لم تتحقق، والأمر اليوم وغداً لله والقضية لا يستوعبها إلا من رجح عقله وكان الهدى في قلبه، فأنت إن تعمل صالحاً يوفيك الله الأجر إن وصلت إلى النتيجة أم لم تصل ولهذا فالحث على الهداية والتقوى والعمل الصالح هو أساس الأمر وعموده وليكن الإنسان في حل من التبعات الضيقة والتحزبات المتقوقعة ولينطلق إلى الفضاء الروحي بنفسه مع العمل الدنيوي والعلم في توازن لتحقيق غايات الحياة أولاً دون التنحي عن المبادئ القويمة ودون المساس بالأصول البينة المتفق عليها والمنصوصة أصلاً، وعدا عن ذلك فهو في فضاء رحب من التفكير والعمل.

في حقيقة الأمر دعاة الإسلام ليسوا ويجب أن لا يكونوا دعاة حرب وعدوان على الناس، وإنما بشرى للناس بالرحمة وإنذاراً بين يدي عذاب الله فقد أمر الله بالدعوة وليس بالعداوة وبالاعتداء، مع الحفاظ على الولاء والبراء ولا يعني البراء قتل الناس ومعاداتهم وعدم التعامل معهم فالدنيا متشابكة ومترابطة ومصالحها تتعقد يوما بعد يوم فلا بد من الفهم الصحيح لأبعاد الأمر في التعامل ولكن لا يعني ذلك الانحناء للقوى الأخرى سياسياً كان أم ثقافياً أم غير ذلك، وما الولاء والبراء إلا مبدأ قويم قوي تتغير تطبيقاته  وتتعدد أطره حسب الظروف المحيطة دون مرحلة الذل والرضوخ للآخر ودون المساس بهوية الإسلام الثابتة وعقيدته المحفوظة.

وهنا نوجز بعض الأفكار الضرورية للإنسان الذي يريد أن يعيش مرتاحاً مع نفسه ويفيد الدنيا من حوله ويفوز بالخير في الدنيا والآخرة بإذن الله:

لا يقولنّ الإنسان ما أنا بقادر، فلكل إنسان سعة وطاقة عرفها أم لم يعرفها، والهمة ما يستفزها وما يثبطها، وليكن سفيراً لهذا الدين الذي ارتضاه الله لعباده بعد فترة من الرسل، وليكن داعياً إلى الله في حياته اليومية من خلال سلوكه وتنفسه وطعامه وشرابه فالدين المعاملة، والأصل في الأشياء الحل إلا ماجاء فيه نص أو ثبت حكماً.

الإخلاص وفهم القصد والثقة بالله وبالنفس، فلا البلوغ نحو قمم الجبال تكبراً وهي التي لن يبلغها أبداً، وليس التواضع دون الأرض فتحبط الفكرة وتنطمس الشخصية والمعالم.

إن رأيت خطأ في التصرفات أو الأحداث أو في التعامل فلا تكن حاداً، وإذا كانت لديك موهبة أو خبرة فاستعملها في الإصلاح والتصحيح، ولا تقل ما أنا بعامل وتأثيري قليل لا يهم ولا أحد يعيره اهتماماً  أمام هذه التيارات الكبيرة.

هو عمر واحد يحياه الإنسان وفترة مكتوبة لا يحيد عنها فلا تكن ناقداً لاذعاً على الدوام دونما هدف، والنقد جميل ولكن لا تجعله من المحبطات والمثبطات والتبعات المحزنة والعويل فوق الأطلال.

عندما تبذل نفسك لغيرك لا يعني أن تنسى نفسك فعليك الاعتناء بها وتسويتها وتسوية ما يتعلق بها من المظاهر والسلوك وغيرها، وللزهد أصول، ولا يحقرن الإنسان نفسه طمعاً في زهد لا يحقق خيراً ولا يجدي نفعاً. إن كان الزهد في الدنيا مذلة فهو ما لا نريد وإن كان الزهد فيها منظراً يؤذي الآخرين ولا يتماشى مع العرف العام والمجتمع فلا بأس من هجرانه،  والمجتمع يحدد ذلك (ما دام لا يتعارض مع النصوص المتفق عليها) والمكان والزمان هما العاملان الأساسيان والعرف العام يتبعهما أو يغلفهما. 

لا بد من محاكاة الدنيا بحذافيرها، بتقنيتها، بأسلوبها الحضاري الإنساني ، لا كما يزعمون، إنهم يبنون حضارة لذا دعونا نضيف إليها إنسانية وإنصاف، نرتفع بالإنسان إلى الأعلى وتشده إلى الأمام شداً وتضمن له الفلاح في الدنيا والآخرة عند رب كل شيء ومليكه رب السموات والأرض رب العرش العظيم. وإن لم يظهر الإسلام على أنه أرقى ما في الوجود لأصحاب العقول المستنيرة والألباب السليمة فهناك خطأ في التعامل والإظهار والتعليم. 

نؤمن بالله ونعمل، قال الله تعالى (هود): (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير)،  هو العمل في الدنيا ما بين عبادات ونسك وما بين عمل دنيوي يؤجر عليه الإنسان إن كان مباحاً لا ضرر فيه ولا ضرار،  نعمل على القوانين وعلى السلامة وعلى الإنتاج وعلى الصحة وعلى المعلومات فالأرض والسموات لله العزيز القهار، إنه هو العليم الحكيم.

لماذا لا نجرب ونكتشف، لماذا لا نمضي إلى طريق الأقدمين من البصيرة وخدمة البشرية بالروح والمادة، وأسلوب الأقدمين والمحدثين من التجريب والتقدم والرقي، آدابنا عليلة وثقافتنا كليلة ليس لنقص فيها ولكن ترسبات الجهل والتخلف والعادات السيئة المتراكمة والعطب النازل فينا ليل نهار من عقولنا إلى رؤوسنا إلى سلوكنا إلى مشينا إلى بعض الأنظمة البالية المقيتة، فالتجارب والاكتشاف يعوزها فضاء رحب وحرية سليمة لا تحجب التفكير والانطلاق.

نقول كلام الله عز وجل (الحج): (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدّمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرنّ الله من ينصره إنّ الله لقويٌّ عزيز)، فالله تعالى سخر الناس لبعضها وجعل الخير في عمل الخير والسعي له وأقام الدنيا على التعاون بالبر والتقوى وهي التي يسبقها بالضرورة النية الخالصة النقية، وقال تعالى أيضاً (يوسف): (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواهُ عسى أنْ ينفعنا أو نتخذه ولداً وكذلك مكنـّا ليوسف في الأرض ولنعلـّمه من تأويل الأحاديث والله غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون)، فالله غالب على أمره وكل شيء عنده بمقدار وللناس العمل يُكتب والسعي يُسجّل والنية ما يصدق ذلك أو يكذبه.

نعرف ونعي تلك الإصطلاحات: نقيراً وفتيلاً وشق تمرة ولا تحقرن من المعروف شيئاً وغيرها، وكل شيء عند الله مكتوب ولو كان مثقال ذرة، ففي شحذ الهمة خير كثير وفي النظرة إلى الأمور على أنها من أمر الله فيه قناعة في ما هو عليه والعمل على التغيير مهما كان التأثير قليلاً وغير مجدٍ في نظر الناظر إليه سطحياً فالأجر على قدر العزيمة والعمل وليس على حجم النتيجة.

قال الله تعالى (الأنبياء): (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، فالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هو  القدوة في نشر الرحمة والبشر بين الناس وله في ذلك الباع الأوفى ومن بعده من تبعه وتبع سنته فالدنيا لا تخلو من الخير وإن طفا الشر كما نرى أحياناً، فأعن نفسك على استلام هذه الرحمة العظيمة، ومن أراد الرحمة فأعنه عليها ومن لم يردها فلا تأس عليه إلا بما تستطيع عمله دون الإقحام والفظاظة ودون الجهر القسري والعداوة والاعتداء.

فكن سباقاً إلى الخير لنفسك ولأهلك ولمن حولك فيما تستطيع عمله ولا تحمّل نفسك فوق طاقتها وتأخذ بمبدأ جلد الذات فالله سبحانه وتعالى يحاسب على النية والقصد والأعمال وليس بالضرورة على النتائج، له الحكمة المثلى وله المثل الأعلى فلك أن تجتهد وتزكي النفس قدر المستطاع وتصفـّي النية وتعمل لنفسك ولغيرك ممن تستطيع الوصول إليه على قدر العزيمة التي تظن أنها في حوزتك، وعلينا في هذا المضمار الواسع والتقدم المتسارع والتهالك نحو المستقبل المادي ألا ننسى بالمقابل التعلم والمحاولة والمضي في سبيل الهداية الناصعة والبصيرة البيضاء، اللهم علمنا من علمك الواسع الكبير، وسدد خطانا إلي خيريّ الدنيا والآخرة، واجعلنا هداة مهتدين سبّاقين إلى الخيرات عالمين بالمقاصد النبيلة عاملين في سبيلك يا رب العالمين، اللهم صلي على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وعنا معهم برحمتك يا أكرم الأكرمين.