نصف دقيقة

PDFطباعةإرسال إلى صديق

سم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

يتجلى نور من الله أمامك ويقول لك قائل: إسأل فلك ما تريد، معك ثلاثون ثانية مما تعدون على الأرض، نعم ثلاثون ثانية لاغير. 

هنا وفي غمرة هذا الموقف أتجلس دون كلام أم أنك تنطق !!
 
يمكن أن تجحظ عيناك ويرتبط لسانك ويتوقف دماغك عن التفكير، أصابك عـيٌّ وأرهـقـتـك شدة، وقد كنت كما حسبت نفسك أريباً وبارعة، لقد عجزت عن النطق بحرف،  تلهث وتلهث من هول الموقف ثم تخر خاضعاً أو ساجدا،  وبالمقابل يمكن أن تقر عينك وينطلق لسانك وتقول لنفسك: فزت ورب الكعبة.  ثم تمضي في ما تريد .

هنا قد يخرج ما يهمك في حياتك، لحظات وتدعو بما تريد حقا، وقد تقف عاجزا عن الكلام لأنك تفكر فيما تقوله وتريد أن يكون، تريد أن تملأ كل الوقت بكل حرف وكلمة وتقول أكثر ما عندك بسرعة دون توقف وهذا استغلال مطلوب لا عيب فيه إلا أنك من كثرة التفكير وكثافة الأفكار لا تسعفك تلافيف العقل ولا تعينك عضلة اللسان فتمضي نصف المدة في التفكير والتحضير، وقد تقول أرجوك امحني فرصة أخرى كي أستعد وأعدّ نفسي لما أريد قوله فقد صدمني هول المفاجأة وأربكني روع الموقف.

قد تقول: 
اللهم أعطني رزقا كثيرا وأولادا وبنات وملكا كبيرا.
أللهم اخز إبليس وأعوانه.
اللهم أسألك العفو والعافية ولعائلتي وللمسلمين.

وغيره كثير من القول المأئور ومن القول الطيب الكريم.

في لحظات كتلك يظهر الهم الذي تحمله ، في هذه المفاجأة ينقشع القشر وينكشف اللب، قد لا تسيطر على نفسك ويخرج منك ما هو مخبوء في نفسك دون وعي بالعقل الظاهر، لذا عليك تنظيف السريرة باستمرار وترتيب الأولويات في حياتك بحكمة واقتدار، فالواثق من نفسه ومزكيها يمكن أن يكون عاقلا ومن المهتدين فيأخذ الأمر بسهولة ويسأل مسألته ثم يقول: يا رب العالمين أنت أدرى بي مني وأنت الذي عاهدتنا على الاستجابة لدعائنا في كل وقت وفي كل حين ولطالما سألناك بخضوع وذل راضين بقضائك معترفين بربوبيتك مذعنين لحكمك فاللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت وتعاليت يا ذا الجلال والإكرام.

يقول الله تعالى (البقرة 186) : (واذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوه الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (.

موقف آخر ومرة أخرى:
 
طيف من السديم الرائع يتهادى تغشاه هالة جميلة من نور يتقارب نحوك وصوت يقول بهدوء:  لك ما تريد وتشتهي من الدنيا وملك الموت يقبضك بعد سنة وتسع وعشرين يوما.
فتقول مباشرة دون تردد: هل يمكن أن تكون المدة على الأقل عشر سنوات أو عشرين أو ثلاثين.
يرد الصوت: من الممكن أن تـُردّ إلى أرذل العمر في وقت قصير.
فتجيب: لا أبدا ، لا أريد هذا.
ويعقب الصوت: ها أنت خذ ما تريد وترغب ولكن أجمل في الطلب واعمل في ما تبقى من الوقت.

ألا تدري أن الله أعطاك العمر كله من ثوانيه إلى سنينه والحياة بأسرها ليلها ونهارها لتقول ما تشاء ولتسأل ما ترغب وتعمل ما تريد !!

وهنا فلسفة الحياة تخيف وتحيي وقاهر اللذات قابع لا ينسى أحدا طال الزمان أم قصر، آمنّا بك يا رب ، وأمنا بلقائك، لك الحكم ولك الأمر من قبل ومن بعد ، أحيينا حياة طيبة وتوفنا بكرمك مسلمين.

وترك الله باب التوبة مفتوحا لجميع عباده ما لم يغرغر العبد. يقول الله تعالى (النساء 17): (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما(.
 
ويقول أيضا (الزمر 53): )قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم).
فهاهي نعمة الحياة لا تعادلها نعمة لمن وعى وأدرك، تراها تتهادى مع كل شهيق وزفير، وتتراءى مع كل لمحة بصر ، وتتنامى مع كل نبضة قلب، فاقبض عليها بالخير والسريرة النظيفة وأرسلها مع الريح المرسلة كرما وعطاء وجودا، والوقت هو الحياة فوقتك حياتك وحياتك ملك لك حتى حين، فاجعل الحين هذا نصب عينيك تفلح ، واجعل السفينة تمضي إلى هدف أسمى مما اختلط على الأرض.

وندعو الله قائلين: اللهم ماض فينا حكمك عدل فينا قضاؤك يا ذا الجلال والمنة لك ما شئت وما تشاء وإنك على كل شيء قدير،  لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ، بك آمنا ولك أسلمنا وعليك توكلنا أنت ولينا ومولانا تغمّدنا برحمتك واعف عنا وأنت أرحم الراحمين.


سنفنى لا محالة يا بشرْ
سنفنى والسفينة في خطر
قوموا إلى الأمر العظيمِ ...
توشحوا عملاً يقود إلى الظفر
ودعوا السرائر تنتشي
في الليل في وقت السحر
هذا النهار مسارنا ، وهو النهَرْ
يمضي إلى البحر العظيم وينتحِرْ
روحي مدار  والجسدْ
روحي مزار للقمرْ
رباه أنت معينها
فهي المزارع والمطر .

اللهم صلي على محمد وعلى آله وصحبه وسلّم، اللهم نسألك حياة كريمة عزيزة فاجعلنا من السعداء في الدنيا والآخرة آمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمدلله رب العالمين.