ومهيمناً عليه

PDFطباعةإرسال إلى صديق

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: 
يقول الله تعالى في سورة المائدة (48) وهي سورة مدنية: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكلٍّ جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكنْ ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون).
إنها آيه جامعة وافية فيها منهج فائض من إنزال الكتاب واتباعه والحكم به وصولا إلى يوم القيامة، فيها من التقرير والإثبات لأمر الحق تعالى وفيها من النهي للحيد عن الأهواء والضلالة في الفكر والعقيدة وفيها تأكيد على اختلاف الشرائع بقصد الابتلاء ثم الأمر باتباع الشرع الذي نزله الله عز وجلّ على محمد صلى الله عيله وسلم وهو الطريق السوي الرائد المهيمن على ما جاء من الشرائع السماوية السابقة.

فكلُّ الكتب السماوية جاءت من عند الله عز وجل وآخرها القرآن الذي سماه الله أيضا الكتاب والفرقان والذكر الحكيم وغيره من الأسماء والمعاني المباركة، وهو الذي هيمن على جميع التعاليم السماوية السابقة فجاء معززاً لها بل جاء بأفضل منها لاكتمال الرسالة الربانية والشرع الإلهي على وجه هذه البسيطة، وهذا هو التدرج في العقيدة والشريعة للدين الذي ارتضاه الله لعباده، وكما أن الدين عند الله الإسلام فكل الديانات السماوية جاءت بالتوحيد الخالص لله عز وجل فصدق من صدق وكذب من كذب ثم حرّف من حرف ليشتروا بآيات الله وبعهده ثمنا قليلا في الدنيا. 

وبالضرورة لما كان القرآن مهيمنا على الكتب السابقة فقد أصبحت الكتب السابقة منسوخة ولا صلاحية لها حيث غطاها القرآن وطغى عليها فأكّد ما فيها من الأسس والأصول ونسخ بعض الفروع أو استبدلها بخير منها، لذلك جاء التصديق ثم جاءت الهيمنة لأن التصديق وحده قد لا يكفي لإتمام المعنى المراد فقد يعني صلاح الاثنين القديم والجديد معا، لهذا أورد الله تعالى فكرة الهيمنة (ومهيمنا عليه) لتؤكد نسخ الماضي مهما كان صادقا وإثبات الحاضر وهو القرآن الذي لا بديل له ولا رديف، فلا حاجة للبشرية بتلك الكتب بعد تنزيل القرآن الكريم.  ولو لم يورد الله عز وجل فكرة الهيمنة لكان الأمر واضحا أيضا لأن من يصدق أن القرآن هو الحق فسيأخذ بالتعليمات والشريعة الأخيرة لأنه صدّقها وصدّق ماجاء فيها أنه الحق، ولكن الله تعالى ينزّل الآيات بينات لا لبس فيها ولا عوج، وهو كتاب فصّلت آياته من لدن ربّ الأرباب العزيز الحكيم.

وفي القرآن الكريم مواضع عديدة لتثبيت وإثبات هذا الأمر من عند الله وتصديقاً وتثبيتاً للمؤمنين الأولين والآخرين ورداً على الكفار والمشركين وعلى أهل الكتاب. ونورد هنا بعض الآيات القرآنية ذات الصلة، ونبدأ بالسور المكية أولاً حيث المرحلة الأولى من الدعوة في تثبيت العقيدة والتوحيد ثم بالمدنية ثانياً وهي المرحلة الثانية من الدعوة والمتمثلة في تثبيت دعائم الدولة وبداية الفتوحات والانطلاق نحو العالمية:
فمن الأيات التي وردت في السور المكية وهي المرحلة الأولى من الرسالة الربانية:

الأنعام (92): (وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدقُ الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون).

الأنعام (114): (أفغير الله أبتغي حكماً وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلاً والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين).
يونس (37): (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين).
يوسف (111): (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).
فاطر (31): (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير).

الأحقاف (12): (ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة وهذا كتاب مصدقٌ لساناً عربياً لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين).

الأحقاف (30): (قالوا يا قومنا انا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم).
أما ما ورد من الآيات في السور المدنية فهو يخاطب الناس جميعاً وأهل الكتاب خصوصاً.
البقرة (41): (وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً وإياي فاتقون).
البقرة (89): (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين).
البقرة (136): (قولوا آمنا بالله وما أنزل الينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ).
البقرة (91): (وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقاً لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين).
البقرة (97): (قل من كان عدواً لجبريل فإنه نزّله على قلبك بإذن الله مصدقاً لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين).
البقرة (101): (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون).
آل عمران (3): (نزّل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل).
آل عمران (81): (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين).
النساء (47): (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدّقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوهاً فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا).
وهذه بعض الآيات التي تؤكد على استمرارية الرسالة الربانية، فما ورد في عيسى عليه السلام، وهذه السور كلها مدنية:
آل عمران (50): (ومصدقا لما بين يديّ من التوراة ولأحلَّ لكم بعض الذي حُرِّم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون). على لسان عيسى عليه السلام لبني إسرائيل تأكيداً على استمرارية الرسالة من الله عز وجل.

المائدة (46): (وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقاً لما بين يديه من التوراة وآتيناه الانجيل فيه هدى ونور ومصدقاً لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين).
المائدة (68):  (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أُنزل إليكم من ربكم وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً فلا تأس على القوم الكافرين).
 آل عمران (48): (ويعلّمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل).
الصف (6): (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين).

فهي سلسلة متوالية من الكتب والتعاليم الربانية السماوية، وإنما هو الوحي من الله العظيم ذي الطول العزيز الحكيم. آل عمران 199 : (وإنْ منْ أهل الكتاب لَمَنْ يؤمنُ بالله وما أنزِلَ إليكم وما أنزِلَ إليهم خاشعين لله لا يشترونَ بآياتِ الله ثمناً قليلاً أولئك لهمْ أجرهُمْ عند ربِّهمْ إنَّ الله سريعُ الحساب).

وهذا هو التأكيد على استمرارية رسالة السماء حتى تمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً، صدقاً أي تصديقاً لما جاء دون ريب أو شك، وعدلاً أي دون انحراف أو شبهات أو ضلالة أو فسوق عن أمر الحق الذي أمر به الله عز وجل، وجميع الرسل المتتابعين كل جاء بالحق لهداية البشر وإقامة الحجة على العباد، وحكمة الله في هذا الشأن كما في كل الشؤون الإلهية واضحة بينة لا لبس فيها، ولقد هيمن القرآن وهو الفرقان الخاتم على جميع الكتب والتعليمات السابقة له مؤكدا على ألوهية الله وحده سبحانه وتصرفه في ملكوته وعباده، وهي إنما مشيئة الله تعالى في تسيير الكون والعباد إلى أقدارهم وترك الخيارات للعباد في أمر الإيمان والكفر والعمل واحتفظ في علم الغيب بما سيكون من دون جبر ولا إرغام.

أسأل الله العظيم السداد في السريرة والصواب في القول والعمل بالكتاب الحكيم وحسن الخاتمة، اللهم اجعلنا ممن يعرفون الكتاب حق المعرفة ويعملون به للارتقاء بالنفس في الدنيا والآخرة، ولا تجعلنا من الذين ظلموا أنفسهم فزلّوا وخسروا وخابوا، اللهم صلي على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.