الذات

PDFطباعةإرسال إلى صديق


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: 

ماذا تعرف عنها؟ هذه النعمة التي وهبك الله إياها دون حول منك ولا قوة، وهذه المعجزة الإلهية التي جبلها الله على المعرفة والاستقبال وجعل آفاقها واسعة كما يريد لها الإنسان، إنها الذات، تلك الآلة العجيبة، عجينة من العقل والذاكرة والتفكير والبصيرة والشعور، بماذا تشغلهم أو بماذا يشغلونك؟ بماذا تحشوهم وكيف تتصرف معهم؟ هل الأمر بيدك والمسالة عندك؟  أم أن المسألة عند المحيط وعند من حولك في البعيد والقريب؟

الذات أطياف قد تكون متناسقة وقد تكون متباينة عشوائية، هي قراءة حرف وفهم كلمة ، وهي ضغطة زر تفتح الآفاق على العالم، وهي صحبة صالحة أو رفقة سيئة، هي دعاء إلى الله عز وجل بالتوفيق والهداية ثم العمل على ما يصح ويصلح.

الوقت يسرق   ذاتنا    والترهات    الدانية
والعمر  فيه   هزاله     إن   ترتقيه   الفانية
اللـهَ  نسـأل   فضله     في الباقيات  القانية

الذات هي أنت ، هي هويتك،  هي شخصيتك، وأنت الوعاء لها، وأنت المحرّك والخلاطة،  أنت الواسطة التي تختزل المعلومات وتحللها لذا فأنت المعالج المركزي لها، تناظرها وتدرسها ثم تخرجها على شكل أفكار وسلوك ومواقف، والحياة مواقف واتجاهات، فهل أنت مخرج ما دخل إليك كيفما شئت وأنى شئت!

إن أشغلتك شغلتك وإن أشغلتها شغّلتها بما ترى، سحابة صيف يا ترى أم رفقة عمر، دائمة هي أم زائلة متحولة بزوال السبب، نحيفة هزيلة هي أم فضفاضة واسعة تستوعب ما يدخل إليها وما يقتحمها.

لا تشغل   الذات  في   لذاتها     
أو تقحم  النفس  في  أهوائها 

كيف تصفها وماذا تعرف عنها، ما علاقتها مع النفس ومع الروح ومع الجسد، الإنسان بسيط ومعقد، بسيط تجرفه التيارات ويتخبطه الموج بما لا يسيطر على ذاته، ومعقد جدا قد لا يعرف ذاته ولا يفقه أسبابها وأهدافها، وقد لا يدرك ما هو عليه ، كيميائية وهرمونات وتفاعلات وجسد وشعور واختلاجات وتعامل وتضاد وتوافق.

الأمر يكمن في النية والقصد، فهما المحركان الأساسيان لما سيأتي ولما سيكون ، ويدعم هذا الأسلوب الذي تتبعه في الوصول إلى المآرب والأهداف.  فما من هدف إلا ويجب أن تسبقه نية وقصد، والأمور بالمقاصد والأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى كما أخبرنا الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم.

إن تعط  ذاتك  مغنماً  دون التقى
عادت   تحيك   غلالة  الحرمان    

إنه العقل الباطن، هذا السر الرهيب، هذا العملاق الصغير الذي يتحكم بنا، هذا الصرح الصامت الذي يقف وراء الكواليس دون أن يظهر على الصورة أو يخرج إلى الشاشة، وهو الذي يجب أن نوليه اهتماما خاصا وعناية جمة،  وكيف نعتني به ولا نعرفه؟ أم كيف نعززه ولا ندري أين يكمن، كيف نعتني به مباشرة هل بغسله أم إعادة تأهيله في جلسة مسائية أو نزهة عائلية أو جلسة على المقهى، هل نجعله يعيش الحالة الافتراضية على الشبكة العنكبوتية؟  إنما هي معادلة والمعادلة تحتاج إلى طرفين ثم إلى اتجاه. والأمر بيدك والأمر مرهون بالخطوات والطريق وليس فقط بالخطوة الأولى أو بالنية فقط، إنما بالنية والعمل وبالوعي أولا والتخطيط الذي يأتي ثانيا ، وللاتجاه فاعلية عجيبة وبصمة أكيدة، ولا أقول يجب أن نهتم للامر بتكثيف مفرط  فنكون قد عكسنا الأمر ودخلنا في دوامة نفسية تحتاج إلى علاج، لأن الإنسان كائن حساس يتفاعل مع محيطه بحذر ولو لم يعرف ذلك أو ينويه، نعم إنه العقل الباطن والإشارات التي يستقبلها ويرسلها هي التي تحدد الاتجاه، ولا يرهق الإنسان نفسه بالوعي والتخطيط والعمل، إنما هي خطوات صغيرة وبسيطة، تنمو وتنمو إلى أن تلتقي مع الأهداف بطريقة أو بأخرى دونما القلق الكبير على الإنجاز الكامل دوما، والمهم هو الإتجاه وهو تغذية العقل الباطن بالمواد الأولية الضرورية والأفكار البناءة التي تقوم على أعمدة ثابتة وقلب كبير.

ذاتي  وأن جار  الزمان  قضيتي     وحبيستي في أضلعي  وفضائي
إني  عرفت  اليوم  سرَّ  وجودها    في خطرتي وسريرتي  وردائي
                         
عندما يطمئن القلب يعرف الإنسان ذاته ويضعها موضعها ويسبر أغوارها فيمحصها ويتآلف مع كنوزها ويكتشف البالي منها. يقول الله تعالى: (.. ألا بذكر الله تطمئن القلوب). فاعرف ذاتك وزودها بوقود التقوى وعرّفها بجود خالقها ونعمه وآلائه، وتعهّدها بالرعاية اللازمة تخدمك في الدنيا وتنقذك في الآخرة، رعاكم الله وحفظ عندكم الذات من الخلل والنقائص،.