فسقى لهما

PDFطباعةإرسال إلى صديق

سم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه أجمعين.

موضوعنا اليوم (فسقى لهما) وفيه نتحدث عن بعض الدلالات في الآية الكريمة من سورة القصص: (فسقى لهما ثم تولّى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إليَّ من خير فقير).

نعم سقى لهما، إنه موسى عليه السلام، وموسى من أولي العزم من الرسل أرسله الله إلى بني إسرائيل، نعم سقى لهما، هاتان الفتاتان من أهل مدين اللتان كانتا تذودان عند منبع المياه، تنتظران حتى ينتهي الناس من السقاية فتقتربان للسقيا، كانتا تنتظران حتى لا تزاحمان الرجال في طلب السقيا وهذا من حسن الأخلاق وطيّبها، نعم سقى لهما موسى بأدب جمّ وبأسلوب راق ثم تركهما وتولّى إلى الظل وأخذ يدعو ربَّه ويشكره شكرا عظيما أن منَّ عليه ربُّه بالخير الوفير والفضل العظيم.

وأرغب هنا أن أعرّج على الآية الكريمة ببعض الدلالات في الآداب والإنسانية والخضوع لله والإذعان له وشكره وبالاعتراف بضعف الإنسان أمام الله عز وجل وحاجته إليه في السراء والضراء. وهاهي بعض الدلالات:

نبدأ بالآية مرة أخرى، قال تعالى: (فسقى لهما ثم تولّى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير)

أولا: لم يكن موسى عليه السلام آنذاك نبيـّاً مرسلا.

ثانيا: موسى عليه السلام إنسان مطبوع على فعل الخير فهو في سريرته طيب يحب الخير ويحب الإنسان وقد اختاره الله عز وجل فيما بعد لحمل رسالة عظيمة.

ثالثا: موسى عليه السلام كان معتدا بنفسه قويا فخورا حيث سقى لهما وهو من خارج القبيلة غريب عنها فلم يكن خائفا من الموجودين عند مصدر المياه التابعة لقبيلة مدين.

رابعا: كان موسى عليه السلام وقتها في حالة فرار من فرعون وهو كما يرى بعض الناس في همّ يغنيه عن مساعدة الآخرين وعن التفكير في أمر ليس له منه فائدة مرجوة آنية أو دنيوية، وليس له أن يدخل في شأن ظاهره لا يعينه في محنته التي هو فيها.

خامسا: كان موسى عليه السلام دون مأوى ولا أقرباء ولا عشيرة ومع ذلك لم ينس العمل الصالح والدعاء إلى الله الخالق العظيم الحنان المنان.  ويذكّرني هذا في قول يوسف عليه السلام بعد أن جاء أهله من البدو ورفع أبويه على العرش وخرّوا له سجدا، قال: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليّي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين).

سادسا: تحلى موسى عيه السلام بالمروءة حين سقى لهما وهي صفة إنسانية طيبة حين لم يفكر في عواقب فعله الطيب إلا أنه دعا الله عز وجل وشكره راجيا منه القبول. وتحلى عليه السلام بالعفاف هذه الصفة الجميلة حين تولّى إلى الظل بعد أن سقى لهما وأخذ يردد الدعاء لله حيث لم يسمعه أحد إلا الله عز وجل، فموسى عليه السلام غني بنفسه عن العالمين إلا أنه فقير إلى الله عز وجل ونعمه، وهو مستعفف عن أخذ الأجر أو الاستفاده من موقف كهذا الذي هو فيه. والصفة الإنسانية الأخرى هي التواضع في موضعه، فموسى عليه السلام عاش في قصر فرعون وربّاه فيه وليدا، فحين رأى هذا الظرف الإنساني وسقى لهما دون سؤال ولا منّة انطبقت عليه صفة التواضع الطيب المحمود.

هذا والله هو العليم الخبير، اللهم حسّن أخلاقنا واهدنا سبل السلام، اللهم صلي على موسى وعلى محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين وعنـّا معهم يا كريم يا رحيم، والحمد لله رب العالمين.