طوبى للحكمة

PDFطباعةإرسال إلى صديق

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد: 

نبدأ بالآية الكريمة من سورة البقرة: (يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً وما يذكـّر إلا أولوا الألباب)، أولا هي مشيئة الله في وضع الحكمة أنى شاء، وثانيا من كانت لديه شذرات من الحكمة فليحمد الله عز وجل على الخير الكثير، وثالثا من يذكّر ويعي فهو من هؤلاء الذين وصفهم الله بأولي الألباب، هم أولوا العقول النيرة والقلوب الكبيرة والسرائر النقية والنفوس الطيبة، فهي حكمة في الدنيا للأمور الظاهرة مدعومة بإيمان راسخ بأن للكون رب يديره ويحفظه وللإنسان إله يتغمده بواسع علمه وعظيم رحمته. ومن عوامل الحكمة الفطرة وهناك العلم والتجربة والخبرة.

وليست الحكمة فلسفة وكلاماً، وليست الحكمة تأمّلا ولحية بيضاء وتمارين يوغا وإنما هي علم وعمل وأناة، والحكمة هي المضي في طريق الصواب على كافة المستويات وليس للحكيم مظهر واحد أو سن معين كأن يكون الرجل فوق السبعين وله نظرة هادئة أو كأن تكون المراة في سن الوقار مع التقاطيع المهيبة، والحكمة  للرجال وللإناث على حد سواء لا فرق بينهم. والحكمة إما كلّـية (غالبا) وإما جزء (مواقف معينة) فهناك موقف حكيم من رجل أو أمراة في تفادي سوء قادم أو التعامل بحكمة مع رئيس سيء في العمل أو موقف تجاه زوج كثير الغضب سيء الطباع وغيرها كثير. فالحكمة علم وعمل وأناة مع رفق وحساب لتحقيق غايات محمودة وأهداف نبيلة ومقاصد مفيدة إما على المستوى الشخصي أو على المستوى الجمعي أو كليهما.

الحكمة ليست العلم وإنما فوق العلم بدرجة وهي إن تغمدت العلم وغشـّـته أعطته الرونق الجميل والمعنى الحقيقي المراد منه للوصول إلى الحق والحقيقة، وكما أن هناك الإيمان ثم الإحسان هنالك العلم ثم الحكمة. قال الله تعالى في سورة الروم: (يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون)، فهنا تنتفي الحكمة الحقيقية وتذهب أدراج الرياح، فهذا العلم الظاهر في الدنيا هو ما قد ينفع في الدنيا وليس له في الآخرة من خلاق.

والعلم لا يكمن في معادلة رياضية أو تفاعل كيميائي أو انشطار ذرة فحسب وإنما في كيفية استخدام هذا العلم والهدف منه، فالسلاح ذو الحدين فيه حكمة وفيه ضلال، فيه خير وفيه شر وما يفرق بينهما هو النية والقصد.

وما كل عالم بحكيم، رأيت عالماً في الكيمياء منح أعلى الجوائز ينحني إجلالا للمدعو بالعظيم بوذا أو يقزّم نفسه للمدعو بالكبير كرشنا (أعاذنا الله من الشرك والضلال) فسبحان الله الخالق العظيم المنزة عن كل عيب وعن كل نقيصة، ورأيت عالمة بالذرة تذهب إلى رجل قابع خلف شباك تشكو إليه وتعترف بأخطائها عله يمنحها بعضا من الأمان الوقتي على أن زلاتها تذهب دون عودة، ورأيت سكرتيرة تنفيذية عليها الوقار تلجأ لطريق المخدرات والهاوية بعد طلاقها وخسارة ابنتها لصالح زوجها، ورأيت طالبا للدكتوراه في علم المناعة يذهب إلى غرفته ليلا ويشعل فتيلا مع مواد لم أعرفها ليتعبد ويطرد الأرواح الشريرة من محيطه، ورأيت طبيبة فذة تعاقر الخمر بإفراط وتذهب عقلها الواعي لكي تخرج من آثار علاقاتها العاطفية المريرة واحدة تلو الأخرى، ورأيت إنسانا عاقلا في حياته مسيطرا على أمور دنياه وعلاقاته الإجتماعية والعملية ينفي الربوبية عن أحد ولا يعترف إلا بتفكيره ورجاحة عقله (وهو المحدود حتما) ولا يذعن إلا إلى قوته التي ستندثر يوما ما لا محالة ولا مفر من هذا. فالعقل لا يكفي والعلم لا يكفي، بل الإنسان في حاجة ماسة إلى معرفة وحكمة، وظاهر الأمر قد يخفي بواطنه التي تفضي إلى إطارات تبتعد عن الحكمة والحقيقة.

لا حكمة بغير علم وكيف يكون صنع القرار مبنياً على عدم علم أو هزال به فصنع القرار واتخاذ التدابير الحكيمة تحتاج إلى علم ودراية وخبرة، والحكمة تقتضي من الحكيم الابتعاد عن الواقعية المفرطة أو المثالية المفرطة، فالمدينة الفاضلة لا تصلح مع الناس ومع ما جبلوا عليه من الأهواء والتقلبات والمزاج والعاطفة واختلاف الحاجات والأذواق، والواقعية المفرطة تتماشى مع غرائز البشر فتحيدهم عن الطرق السليمة مهما تنوعت ثقافاتهم وخلفياتهم لأن الأساس هو الفطرة التي فطر الله الإنسان عليها وهي الغرائز الدنيئة التي لا يشذبها إلا خوف من الذات العليا أو احترام لها أو كلاهما معا. فالحكمة تفضي إلى المثالية الواقعية والتي نجدها في كتاب الله عز وجل فالأمور والأحكام تتعامل مع المثالية المأمولة لكنها تأتي بالحلول للمشاكل مثلا بطرق واقعية تعامل النفس البشرية.، وفي ذات الوقت علينا أن لا نتوقع المثالية من الآخرين ونحن في دوامة لا نعرف كيف نكون مثاليين، فهذا كيل بمكيالين.

والحكمة هي الصواب في الاتجاه والهدف معا، فالعلم بالشيء يعطيك الاتجاه الصحيح والحكمة تعطيك عين الهدف فهي تقتضي الوصول إلى الهدف بذاته وليس حوله، والله سبحانه وتعالى وضع الاتجاه بالعلم والعزة وغيرها من الصفات ثم أضاف الحكمة للوصول إلى عين الهدف فما من شك في أن القول أو الحكم لا يخرج عن دائرة الصواب قيد أنملة فهو من لدن عزيز عليم واسع خبير وهو الحكيم ليس لحكمته حدود.

وقد أمرنا الله بالدعوة إليه ونحن متوشحين برداء الحكمة لكي يتحقق الهدف منها ولكيلا ينفر الناس من الدين الخالص لله، قال الله تعالى (النحل): (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة..).

وقال تعالى في سورة الكهف واصفا ذلك الرجل الذي صاحبه موسى في رحلته: (وعلمناه من لدنا علما)، هذا العلم هو مقتضاه المعرفة والحكمة فقد كان حكيما في قراراته حين استمد ذلك من علم الغيب الذي أطلعه الله عليه في تلك المواقف.

قال الله تعالى (الجمعة): (.. ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين). والحكمة أيضاً ضد الضلال وهي العلم بالوجود والهدف من الوجود والهدف من الخلق، وهي معرفة الذات وما فيها وما لها وأن لكل أجل كتاب، واطمئنان القلوب من الحكمة، هذا الاطمئنان الذي يتولد عن ذكر الله عز وجل ذكرا جميلا حقيقيا.

وتفتخر الأمم بفلاسفتها وحكمائها عبر التاريخ، فمن أفلاطون وأرسطو إلى كونفيشوس وديكارت وغيرهم من الفلاسفة والحكماء، وهذا لا ضير فيه من الناحية الإنسانية فالفكر للإنسانية جمعاء، ونحن ندرك حقيقة بأن الحكمة الفارغة من التوحيد والفلسفة الخاوية من الإجلال لخالق الكون لا تغني عن الناس من الله شيئا ولا تنفعهم في أخراهم إن لم تحمل نية التوجه ومعنى الإخلاص للواحد الأحد الصمد، فمهما استفادت البشرية منها على مر الزمن إنما هو قائم في الحياة الدنيا.

لقد تجلـّت الحكمة على سبيل المثال في أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وأرضاها عندما انتقت محمداً صلى الله عليه وسلم زوجاً وهو الصادق الأمين قبل الرسالة وبعد الرسالة، وتجلت الحكمة عندها رضي الله عنها عندما صدّقته وواسته ورعته ليحمل أعظم رسالة على وجه الأرض.

وقيل عن الطبيب حكيم في الماضي لأنه جمع بين الطب والمداواة وبين المواساة لإحلال الطمانينة على المرضى.

وقيل منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال، وحب العلم غريزة ولكن الحكمة تأتي برحمة من الله عز وجل ومن كانت زينته الحكمة في نهمه هذا فقد أفلح.

وأن تحب لغيرك ما تحب لنفسك: حكمة عظيمة، ولهذا يبرز الحكماء لأنهم صنعوا لغيرهم وعملوا لغيرهم وهم بذلك سعداء فديدنهم العطاء.

وهل يكون الحكيم سيء الخلق ذميم الطباع! وأين الحكمة مع الغضب والجشع والأنانية أفراداً وشعوباً!  فمع الحكمة الرفعة والأناة والعمل الدؤوب مع علم ومعرفة واقتناص للحقيقة مشفوعة بخلق رفيع.

وفي هذا السياق، سياق الحكمة وتبعاتها نورد بعض المعلومات عن الحمكة ومشتقاتها في القرآن الكريم.

وردت كلمة الحكمة في كتاب الله عز وجلّ في سياق الذكر والكتاب وتلك هي الرسائل التي أنزلها على أنبيائه الأكرمين: 

(البقرة) ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم .

(البقرة) كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم أياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون .

(البقرة) واذا طلقتم النساء فبلغن أجلهنّ فأمسكوهن بمعروف أو سرّحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم .

(البقرة) لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

(البقرة) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمّت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما .

(آل عمران)  ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل.

(النساء) أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكاً عظيما .

(المائدة)  إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين.

(الأحزاب) واذكرن ما يتلى في بيوتكنّ من آيات الله والحكمة إنّ الله كان لطيفا خبيرا.

(الجمعة) هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين .

فالحكمة رديفة للكتاب وللهدي الذي أنزله الله تعالى على جميع رسله وهذا من فضل الله على النبيين والعالمين، والكتاب هو البينات والكلمات التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على أنبيائه وسنامها التوحيد، والحكمة تقتضي تطبيق هذه الكلمات على الواقع النظري والنفسي والعملي والجوارح والمعاملات.

(الإسراء) ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلهاً آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا .

(القمر)  حكمة بالغة فما تغنِ النذر.

(لقمان)  ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإنّ الله غني حميد.

(الزخرف)  ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولأبيّن لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون .

(النحل) ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين .

وقرن الله تعالى أيضا الحكمة بالملك حين يكون في تسيير أمور الدنيا وفي مصلحة العباد:

(البقرة) فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلّمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكنّ الله ذو فضل على العالمين.

(ص)  وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب .

وقد وردت كلمة الحكيم وحكيم 97 مرة في القرآن الكريم، ووردت الحكيم 42 مرة منها 29 مرة مقترنة مع العزيز ، وأربع مرات مع الخبير، ووردت كلمة حكيما 16 مرة منها عزيزا حكيما خمس مرات وعليما حكيما 10 مرات وواسعا حكيما مرة واحدة.    

قرن الله تعالى الحكمة مع العزة وهو ما يتأتى من القوة والمنعة، وهي تتجلى في أعمال الله العظيمة التي تحتاج إلى الشدة والغلبة والرفعة والامتناع، كالخلق والتنزيل، فله سبحانه العزة تحقيقا:

مثلا في سورة الفتح:  (ولله جنود السموات والأرض وكان الله عزيزا حكيما).
وفي سورة النساء:  (بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما).
وفي سورة آل عمران: (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم ).
وفي سورة الجاثية: (وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم).
وفي سور الزمر والأحقاف والجاثية: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم).

فالعزة بالنفس أساس من أسس الحكمة. ولقد وصف الله نفسه بالعزيز الحكيم عندما كلـّم موسى عليه السلام في الواد المقدس طوى. قال تعالى في سورة النمل: (يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم). فقد اختار الله هاتين الصفتين من كل الصفات لكي يثبت أنـّه له العزة في السموات والأرض وهو ذو الحكمة الخالصة فقد ذكر الحكمة أيضا مع كل ما أنزل الله تعالى على رسله من البينات والكتاب، فهو الذكر الحكيم وهو الكتاب والحكمة إلخ.. من الصفات الكاملة.

والخبرة من أسس الحكمة أيضا والخبير الحق هو العالم بكل شيء خلقه ظاهرا وباطنا:

 مثلا في سورة سبأ:  (الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخره وهو الحكيم الخبير ).
وفي سورة الأنعام:  (وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير).
وفي سورة الأنعام أيضا: (وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور عالم الغيب والشهاده وهو الحكيم الخبير). 
وفي سورة هود:  (ألر كتاب أُحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير).

وقرن الله الحكمة مع العلم فالعلم لا يكفي والعقل لا يكفي والأمر يحتاج إلى حكمة ومعرفة ودراية، فمن قال إن إمامه هو عقله فقط  فقد غوى، وتتجلى هذه الصفة في الأحكام والأوامر والنواهي والتي تحتاج إلى علم الله تعالى:

مثلا في سورة الأحزاب:  (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إنّ الله كان عليما حكيما ).
وفي سورة التحريم:  (قد فرض الله لكم تحلـّة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم).

وقد ذكر الله صفته الكريمة بأنه واسع حكيم في سورة النساء: (وإن يتفرقا يغنِ الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما). فما هو سياق الآية ولماذا الواسع مع الحكيم؟ فسياق الآية عن النفقة والأزواج في حالة الفرقة، فالأمر يحتاج سعة وواقعية في الأحكام وسعة في الرزق وسعة في العطاء.

هذا والله أعلم، فاحرصوا أيها الأخوة والأخوات على أن تكونوا من أهل الحكمة وادعوا ربكم أن تكونوا من هؤلاء الذين آتاهم الله الحكمة ففيها الخير الكثير والربح الوفير في الدنيا والآخرة، وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.